هل سيتحقق سلام بالوكالة في اليمن؟

تقييم حالة | 30 مايو 2023 00:00
 هل سيتحقق سلام بالوكالة في اليمن؟

 ENGLISH

PDF

 

 ملخص

في ظل سطوة مصطلح حرب الوكالة، يبدو نقيضه "السلام بالوكالة" أمراً غير معروف وبعيد عن التناول والتداول، بينما تؤكد تجارب عديدة في مناطق الصراعات أن حروب الوكالة يمكن أن تفضي إلى سلام بالوكالة، عندما تتحول الأطراف الداعمة للحرب والراعية لأطرافه من حالة الاقتتال غير المباشر إلى حالة السلم والبحث عن صيغة للتسوية والحوار بين الأطراف المحلية، وفي هذه الحالة يتحقق سلام بالوكالة بالنظر إلى دور القوى الخارجية التي كانت فاعلة في دعم الحرب، وصارت تدعم جهود التهدئة والسلام.

تناقش هذه الدراسة جهود ومفاوضات إنهاء الحرب اليمنية في الفترة الأخيرة، وهي الجهود التي باتت تمتلك رصيداً من الخبرة والتفاهم سيما بعد إعلان التقارب بين السعودية وإيران من خلال اتفاق رعته الصين وتم الإعلان عنه في العاشر من مارس/أذار الماضي.

وتتوقع الدراسة أن يحفز الاتفاق جهود السلام، خاصة بعدما توالت مؤشرات ودلائل على وصول أطراف الحرب الداخلية والخارجية إلى ما يطلق عليها الخبراء "اللحظة الناضجة"، حيث لم يعد أي طرف مستعد للعودة إلى الحرب، ويدرك الجميع أن العودة للقتال ستكون مكلفة.

ومع ذلك لا تبدو طريق السلام سالكة، فلا يزال أمامها عدة معوقات وعراقيل داخلية وخارجية، خاصة في حال لم يكن الحوار بين القوى اليمنية شاملاً كل الأطراف والقضايا التي يعتبر بقاؤها بدون معالجة كفيلاً بإشعال الصراع مرة أخرى، كما أن بعض القوى المسيطرة جزئيا تطمح لأن تذهب إلى الحوار وفي يدها سيطرة شاملة على المناطق الاستراتيجية الغنية بالموارد.


     

مقدمة

بدأ وفدٌ سعودي برئاسة محمد آل جابر، سفير المملكة لدى اليمن، في أبريل/نيسان الماضي، جولة من المحادثات مع الحوثيين، خلال زيارة للعاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرتهم، في سياق الجهود الرامية لإنجاح عملية السلام وإنهاء الحرب في اليمن.

 وتعتبر أول زيارة من نوعها منذ نشوب الحرب عقب انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء وغالبية المحافظات اليمنية أواخر العام 2014، ومع أنه سبق تلك الزيارة إجراء لقاءات عدة بين السعوديين والحوثيين خلال الفترة الماضية، بدعم ووساطة عُمانية، إلا أن هذا اللقاء يأتي بعد التقارب السعودي- الإيراني الذي أعلن مطلع مارس/أذار الماضي برعاية صينية. 

 ومع أن تلك الجولة التي شهدتها صنعاء لم تسفر عن توافق معلن، إلا أن اليمنيين لا يزالون يترقبون ما ستؤول إليه مفاوضات السعودية مع الحوثيين، كاختبار عملي لجدية التقارب السعودي- الإيراني، وهو ما يذهب إليه المتابعون والمراقبون خارج اليمن، إذ يمثل الملف اليمني أبرز ملفات الاشتباك بين الطرفين، وإن التوافق على وقف الحرب اليمنية يتوقف على مصداقية الطرفين (طهران والرياض) في الذهاب إلى تطبيع العلاقات وإنهاء حالة الصراع، أو حروب الوكالة التي تعد اليمن واحدة من ساحاتها إلى جانب دول عربية أخرى كسوريا ولبنان والعراق.

من هنا فإن السؤال المطروح: هل ستفضي تفاهمات إيران والسعودية إلى تحقيق "سلام بالوكالة" في اليمن؟ وإلى أي مدى يتطابق هذا النوع من السلام مع الحالة اليمنية، بقدر ما ينطبق عليها توصيف الحرب بالوكالة؟ نظراً لوقوف الرياض خلف قوات الشرعية المعترف بها دوليا، ووقوف طهران خلف جماعة الحوثيين في حرب الثمان سنوات التي تشهدها اليمن، قبل ظهور داعمين خارجيين جدد لأطراف أخرى في الصراع اليمني وظهور تعقيدات جديدة.

هذا ما تحاول الدراسة أن تتناوله، بالتركيز على أهم ملامح ومسارات وجهود وقف الحرب في ضوء التطورات التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة، وبالنظر لمواقف ورؤى السعودية وإيران، سواء أكان ذلك في سياق الحرب أو في إطار جهود التهدئة.

 

ماذا يعني السلام بالوكالة؟ 

سيطرت حروب الوكالة على غالبية مناطق الصراعات المسلحة في العالم، سيما الصراعات التي نشبت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي العقود اللاحقة، خاصة ما تشهده بعض الدول العربية- ومنها اليمن، منذ نحو عقد من الزمن. 

ومصطلح "حرب الوكالة"، أو الحرب بالوكالة، الذي يعدّ من أكثر المصطلحات المستخدمة في التحليل لما يجري من تطورات وأحداث في الشرق الأوسط، يشير إلى أنّ "الأطراف المتنازعة على الأرض لا تتحرك وفق مصالحها فقط، وإنما وفق مصالح القوى الخارجية الداعمة لها".[1] وتعرّف هذه الحروب بأنها "مواجهات غير مباشرة بين قوى أجنبية على أرض دولة ثالثة".[2]

وتتضمن مختلف تعريفات حروب الوكالة الإشارة إلى وجود أطراف داخلية تشارك في الصراع بطريقة مباشرة، وأطراف خارجية تشارك بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال الدعم والتمويل والإسناد، يعدّ الطرف الداخلي في هذا العلاقة "وكيلاً" للطرف الخارجي الذي يُطلق عليه "الموكل" أو "الراعي"، كل منهما يؤثر ويتأثر وفقاً لعوامل عدة متعلقة بالطرفين وقدرتهما على توظيف العلاقة والاستفادة منها في تحقيق الأهداف والمكاسب المرجوة، وكذلك طبيعة العلاقة تلعب دوراً كبيراً في إحداث التأثير المطلوب.  

وتعد علاقات الوكالة أحد أقدم أشكال العلاقات، أو وسائط التفاعل الاجتماعي، فهي تنشأ بين طرفين أو أكثر، بحيث يقوم فيها الطرف الأول "الوكيل" بأداء مهام نيابة عن الطرف الثاني "الراعي"، وهو ما يتطلب تفويضاً من ذلك الأخير لبعض سلطات اتخاذ القرار[3].

ومع أن أدبيات العلاقات الدولية لا تزال تعزف عن ربط "الوكالة" بمجالات إحلال السلام، بسبب هيمنة سردية حروب الوكالة، فإن بعض الدراسات الصادرة مؤخراً تقرر أن "تدخّل الرعاة (الأطراف الخارجية أو الموكلين) للضغط على وكلائهم المسلحين (الأطراف الداخلية)، لإيقاف حرب بالوكالة، يمثل نوعاً من التفاعلات التي قد تدخل في مجال السلام بالوكالة".[4]

ويمكن القول إن من يقود حرباً بالوكالة، يستطيع أيضاً قيادة سلام بالوكالة، من خلال الاتفاق بين الموكلين، ويستدل أصحاب هذا الرأي بالمحادثات التركية – الروسية بشأن الحرب في سوريا، بوصفها الحالة الأكثر وضوحاً وتعبيراً عن حروب الوكالة، وعن العلاقة بين الموكلين في الخارج (روسيا وتركيا وإيران) من جهة، والوكلاء في الداخل (نظام الأسد والمعارضة) من جهة ثانية.

وإذا كانت سوريا هي الساحة الأكثر تمثيلاً لعلاقة الوكالة في الحرب بين موكلي الخارج ووكلاء الداخل، وفق مصطلح حرب الوكالة، كما سبقت الإشارة، فإنها يمكن أن تكون أيضاً مكاناً مناسباً لإحلال سلام بالوكالة، وهذا ما صرحت به مسؤولة الأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، "فيديريكا موغريني"، عندما قالت إن سوريا تحتاج إلى "سلام بالوكالة"، يدعمه المجتمع الدولي بدلاً من الحرب بالوكالة التي اندلعت منذ سنوات، وأودت بحياة حوالي 320 ألف شخص.[5] ويأتي تصريح المسؤولة الأوروبية في سياق يؤكد وجود سلام بالوكالة، بقدر وجود حرب بالوكالة، كما أن التصريح نفسه يعزز احتياج مناطق الصراعات لإيقاف حروب الوكالة والبدء بإحلال السلام، ولو كان سلاماً بالوكالة، بحيث تضطلع القوى والأطراف الخارجية الفاعلة في حروب الوكالة من خلال دعم طرف أو أطراف داخلية بالمال والسلاح، في العمل والضغط على وكلائها المحليين لتحقيق السلام، وإذا كانت مشاركة أطراف خارجية – وإن بشكل غير مباشر في الصراع يجعله حرباً بالوكالة، فإن مشاركة الأطراف الخارجية نفسها في الضغط لإحلال السلام يجعله سلاماً بالوكالة.

 

الموكّلون والوكلاء في الحرب اليمنية

يرى أغلب الباحثين والمراقبين أن الحرب التي تعيشها اليمن منذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر/أيلول 2014، هي حرب بالوكالة بين قوتين إقليميتين بارزتين هما: المملكة العربية السعودية التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من جهة، وجمهورية إيران الداعمة لجماعة الحوثي المسلحة، من جهة ثانية. وتنطبق علاقات الوكالة على علاقات أطراف الحرب اليمنية بالأطراف الخارجية الداعمة، بوجود داعم خارجي لكل طرف محلي مشارك في الحرب.

ويمكن الإشارة فيما يلي للقوتين الإقليميتين البارزتين والداعمتين لطرفي الحرب في اليمن، وهما السعودية وإيران، مع علاقات كل منهما بالوكلاء المحليين.

السعودية في اليمن

تعد المملكة العربية السعودية الحليف والداعم الخارجي الأبرز للحكومة اليمنية خاصة في الفترة التي أعقبت الثورة الشعبية، بعدما تدخلت المملكة بقوة للحيلولة دون تفجر الوضع بين النظام الحاكم والمعارضة، وتم الاتفاق بين الطرفين على آلية مزمنة لانتقال السلطة من الرئيس صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، وهي الاتفاقية المعروفة بـ"المبادرة الخليجية".

تضمنت الاتفاقية – إلى جانب انتقال السلطة- تشكيل حكومة وفاق وطني بالمناصفة بين حزب صالح (المؤتمر الشعبي العام) والمعارضة (أحزاب اللقاء المشترك)، وإقامة مؤتمر وطني للحوار الشامل، غير أن الحوثيين انقلبوا على ما خرج به المؤتمر من قرارات، رغم مشاركتهم في مؤتمر الحوار، وبدأوا التصعيد ضد الحكومة والرئيس هادي منذ أغسطس/آب 2014، بعدما تمكنوا من السيطرة على محافظة عمران الواقعة شمال العاصمة صنعاء.

خلال الفترة الانتقالية في اليمن 2012- 2014، ظل الخطاب الحوثي يستهدف الرياض- في توافق واضح مع الخطاب الإيراني، ومع ذلك آثرت المملكة السعودية الصمت تجاه ما يجري في اليمن، والتزمت بالموقف الدولي الذي يدعم مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار كمقدمة لإشراكهم في العملية السياسية، ومن ثم العمل على إقناعهم بالتخلي عن السلاح والاندماج في العمل السياسي، إلى جانب العمل على فصلهم عن إيران. بيد أن شيئاً من ذلك لم يتحقق، وعلى العكس واصل الحوثيون توسعهم في المناطق بقوة السلاح والدعم الإيراني، وتعززت العلاقة مع طهران بشكل غير مسبوق، حتى تمكنوا من الانقلاب على السلطة والاستيلاء على مؤسسات الدولة بالسيطرة على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية، فيما ظل الموقف السعودي يراوح مكانه وفقاً لحسابات واعتبارات غير معلنة. ومع أن المملكة كانت قد أصدرت في مارس/أذار 2014 قائمة بأسماء عدد من التنظيمات صنفتها كمنظمات إرهابية، تضمنت جماعة الحوثي، لكن دون اتخاذ مواقف عملية ضدهم.

ويُرجع مراقبون صمت الرياض تجاه الحوثيين في الفترة التي سبقت الانقلاب وسقوط صنعاء، إلى نجاح المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بن عمر ومعه الولايات المتحدة وبعض القوى في دفع الدور السعودي إلى الظل، حيث اكتفت السعودية بمراقبة سلوك الحوثيين دون تدخل لكبح أعمالهم العسكرية ومنع تدفق الأسلحة إليهم. كما أن خضوع اليمن في تلك الفترة للإشراف الدولي المباشر كان له دور أيضاً في تأخر تصرف المملكة.[6]

 واصل الحوثيون توسعهم بعد السيطرة على صنعاء، وتوجهوا جنوباً للسيطرة على المحافظات الواقعة وسط البلاد وجنوبها، وبالتزامن مع هذا التوسع أجروا مناورة عسكرية بالقرب من الحدود السعودية، في ظل تنامي خطاب التحدي واستفزاز الرياض، وكان الرئيس هادي الذي تمكن من الهروب من مقر إقامته الجبرية في صنعاء في فبراير/شباط 2015، قد استقر في عدن، وطلب من دول الخليج العربي التدخل لحماية اليمن ضد الانقلاب الحوثي المدعوم إيرانياً، وهو ما أدى لإعلان الرياض تشكيل قوة عسكرية من عدة دول عربية باسم "التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن"، وذلك أواخر مارس/أذار 2015، أي بعد 6 أشهر من انقلاب الحوثيين واستيلائهم على صنعاء وعدد من المحافظات الشمالية.

دَعَم التحالف العربي الذي تقوده السعودية الحكومة اليمنية والقوات الموالية لها في مواجهة الحوثيين، وتم تحرير عدد من المناطق في جنوب وشرق اليمن، غير أن الحرب استمرت في عدة محافظات يمنية، أهمها تعز ومأرب والحديدة والبيضاء والجوف وأجزاء من شبوة والضالع وأبين.

بعد نحو عام من اندلاع الحرب اليمنية وتدخل التحالف العسكري العربي، شهدت العلاقات السعودية – الإيرانية تطوراً جديداً تمثل في إعلان الرياض قطع علاقتها مع طهران عقب تعرض القنصلية السعودية في مدينة مشهد الإيرانية، لهجوم من متظاهرين إيرانيين، على خلفية قيام السعودية بإعدام "نمر النمر"، وهو معارض شيعي سعودي له نشاط سياسي ضد الرياض. واستمر التوتر بين البلدين سيما مع تصاعد موجة الصراعات في عدة دول عربية منها اليمن وسوريا.

إيران في اليمن

بدأت العلاقة بين جماعة الحوثي وجمهورية إيران منذ أكثر من 20 سنة، سيما فترة الحروب الست بين الحكومة والحوثيين عامي 2004 و 2010، مما أدى إلى توتر العلاقات الرسمية بين اليمن وإيران، غير أن الدعم الإيراني للحوثيين تطور في السنوات الأخيرة ليشمل صفقات أسلحة حديثة ومتنوعة، وقد تمكنت الأجهزة الأمنية اليمنية من ضبط شحنات من الأسلحة الإيرانية كانت في طريقها للحوثيين، ومنها السفينتان جيهان1 وجيهان2، ضبطت الأولى في يناير/كانون ثان 2013، والثانية في مارس/آذار من العام نفسه، وحينها طلبت الحكومة اليمنية رسميًا من مجلس الأمن الدولي إجراء تحقيق في الموضوع، وبالفعل زار وفد من خبراء الأمم المتحدة اليمن للتحقيق في شحنات الأسلحة التي ضبطت في المياه الإقليمية اليمنية. وأثبتت تقارير الأمم المتحدة أن إيران تقدم الأسلحة للمتمردين الحوثيين منذ العام 2009 [7].

وبحسب مراقبين فإن الدعم الإيراني للحوثيين أخذ أشكالاً عدة، منها الدعم السياسي إقليمياً ودولياً بهدف إشراك الحوثيين كفاعل رئيس في اليمن، والدعم الديني عن طريق حشد وتجنيد الشباب في صفوف الحوثي من منطلق مذهبي، والدعم العسكري من خلال تدريب وتسليح المقاتلين الحوثيين بأحدث الأسلحة.[8]

وبعد اندلاع الثورة الشعبية اليمنية في العام 2011، أخذت الحركة الحوثية تتوسع في شمال اليمن معتمدة على الدعم المقدم من إيران التي وجدت في الحوثيين حليفاً محلياً تتقاسم معه الانتماء للمذهب الشيعي، كما ويتقاسمان معاً العداء للمملكة العربية السعودية وحلفائها من اليمنيين، وكما قدّمت إيران للحوثيين شحنات من الأسلحة فقد وفرت لهم التدريب والتأهيل في مختلف المجالات العسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية. وفور سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، أعلن مسؤولون إيرانيون ابتهاجهم بسقوط "رابع عاصمة عربية في يد الثورة الإيرانية".[9]

وبعد نحو 6 سنوات من الحرب قال الجنرال رستم قاسمي، مساعد قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، إنّ كل ما يمتلكه الحوثيون من أسلحة ناتج من مساعدات قدمتها طهران، وخصوصاً في تكنولوجيا صناعة السلاح، وقال إنّ عملية التصنيع تجري في اليمن، ولا سيما الطائرات المسيَّرة بدون طيار والصواريخ الباليستية. واعترف بوجود خبراء إيرانيين في اليمن "مهمتهم تقديم الاستشارات".[10] ويُعدّ هذا التصريح أول اعتراف إيراني بدعم طهران للحوثيين في الحرب الراهنة. ويرى بعض الباحثين أن علاقات إيران بوكلائها في مناطق النزاع، تندرج ضمن العلاقات التي لم تعد غير مباشرة، أو حتى سرية، بل إن الوكالة باتت تتجه في بعض الحالات إلى النمط الجيوسياسي لتأسيس علاقات وأدوار إقليمية ممتدة، ويتجلى ذلك في سعي إيران "للربط بين العراق وسوريا ولبنان واليمن، كمنطقة نفوذ استراتيجي لها في الشرق الأوسط، عبر اجتذاب وكلاء هوياتيين يدعمون نفوذها المذهبي"[11].

 

جذور وأسباب داخلية لحرب اليمن

ومع وجود عوامل ودعم خارجي لطرفي الحرب اليمنية، فإن الجذور الداخلية لها حضور وتأثير فيما يجري، حيث ظلت حركة الإمامة - المرتبطة مذهبياً بالزيدية وسياسياً بالنظرية الهادوية تسعى للاستيلاء على السلطة منذ فقدتها في ثورة سبتمبر/أيلول 1962، انطلاقاً من كون السلطة حقاً حصرياً لسلالة الهاشميين الذين يطلقون على أنفسهم لقب "آل البيت". فيما تواجه النظرية الإمامية الهادوية مقاومة من اليمنيين بدأت منذ وقت مبكر، خاصة وأنها تناقض ما حققه اليمنيون من مكاسب، وما أنجزوه من تقدم في الاتفاق على نظام الحكم الجمهوري والممارسة الديمقراطية ومبدأ التداول السلمي للسلطة، وباتت المقاومة في الوقت الراهن تضم غالبية اليمنيين الذين يرون أن الحركة الحوثية مجرد امتداد لدولة الأئمة التي تقوم على أساس النظرية الهادوية، وهي النظرية التي جعلت الوصول للسلطة حقاً إلهياً لأدعياء النسب الهاشمي من نسل الحسن والحسين، باعتبارهم ذوي الاصطفاء والأفضلية، والأحق بالسلطة حتى قيام الساعة، لذلك اشتعلت الصراعات المسلحة تارة بين أتباع الإمامة الهادوية من جهة ومكونات المجتمع اليمني من جهة ثانية، وتارة أخرى بين الأئمة الهادويين فيما بينهم، فقامت الحروب بين الإخوة وأبناء الأسرة الواحدة والبيت الواحد، وكل منهم يدعي أحقيته بالإمامة والسلطة.[12]

علي الصعيد الديني والمذهبي توجد مدارس يمنية سلفية (سُنّية) ترى في جماعة الحوثي عدواً يجب مواجهته لأسباب وعوامل دينية، خاصة وأن الحوثيين هم من بدأوا حربهم على الجماعات الدينية (السلفية) ومراكزها الرئيسية في صعدة، وقاموا بتفجير مركز (تعليم الحديث) في منطقة دماج بصعدة بداية العام 2014، وقد كانت مواجهات دماج أولى مواجهات الطرفين (الحوثيين والسلفيين)، وأكثرها تعبيراً عن المضمون المذهبي والطائفي في الحرب، وقال السلفيون حينها إن "جماعة الحوثي تهدف من حربها للسيطرة الكاملة، واستئصال أهل السنة والسلفيين".[13]

وعلى الصعيد السياسي ترى القوى والتيارات السياسية اليمنية، أن جماعة الحوثي قوضت الدولة اليمنية بالانقلاب عليها وتدمير مؤسسات الدولة والقضاء على مقوماتها، وبالتالي فإن مهمة استعادة الدولة تبدأ في مواجهة الحوثيين ومشروعهم المدعوم بقوة السلاح الإيراني. كما أن جماعة الحوثي- في نظر قطاعات واسعة من المجتمع اليمني تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي من خلال حربها، سيما بالنظر إلى ما أحدثته الحرب من قتل لمئات الآلاف وتهجير ملايين المواطنين وتدمير المنشئات العامة والخاصة وإرهاق البلاد بالمزيد من مآسي الصراعات والكوارث والخسائر الاقتصادية. ويؤكد التحالف الوطني للأحزاب اليمنية أن "إحلال السلام الشامل والعادل في اليمن لا يمكن أن يكتمل ما لم يسهم التفاهم الذي بادرت فيه الصين بين السعودية وإيران بتفكيك ميليشيا الحوثي ونزع سلاحها، ليعود الأمن والاستقرار والحياة السياسية بأدواتها السلمية الآمنة"[14]. وفي مقابل ذلك يرى الحوثيون أن ما يقومون يستهدف "أدوات السعودية التي يحركونها لافتعال الكثير من الأزمات والحروب".[15]

وفي ذلك تتجلى العوامل الداخلية وجذور الصراع المحلي اليمني، إلى جانب ما سبقت الإشارة إليه من عوامل ودوافع خارجية متصلة بالصراع الإقليمي بين الرياض وطهران، وتتعزز الدلائل والمؤشرات على وجود حرب بالوكالة في اليمن، مع ظهور التداخل والاشتباك في هذه الحرب، والصراعات والانقسامات التي تنشب على هامشها، حيث يتداخل الخارجي مع الداخلي من عوامل نشوب الحرب وأسباب استمرارها، وتكون أحياناً صراعات بينية في إطار الفريق الواحد، كما حدث في الحرب بين القوات الحكومية من جهة، وقوات المجلس الانتقالي الذي تأسس في مايو/ايار 2017 بدعم إماراتي من جهة ثانية. وكما حدث أيضاً من مواجهات مسلحة في الطرف الآخر بين الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق علي صالح، وهي المواجهات التي أدت إلى مقتله في ديسمبر/كانون أول 2017، وملاحقة أفراد أسرته وأنصار حزبه المؤتمر الشعبي.

ومن هنا يمكن النظر إلى الحرب اليمنية الراهنة باعتبارها امتداداً لسلسلة طويلة من الصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها اليمن على فترات زمنية متقاربة منذ قيام الثورة ضد الإمامة في الشمال والثورة ضد الاستعمار في الجنوب قبل ما يربو على ستين سنة.[16]

 

تداخل يعقد الحرب ويحفز السلام

تعود حروب الوكالة على الموكلين بفوائد ومكاسب عديدة، تضمن مصالحهم وتحافظ على نفوذهم خارج حدود دولهم، مقابل قيامهم بالدعم والتوجيه لوكلائهم في مناطق الحرب- كاليمن مثلاً، دون أن يتطلب منهم ذلك مشاركة حقيقية في الحرب، غير أن ثمة أمر جدير بالملاحظة في الحرب اليمنية وعلاقتها بالأطراف الداعمة خارجياً، ذلك أن السعودية ارتبطت بالحرب بشكل مباشر من خلال قيادتها التحالف العسكري الذي يقوم بشن الغارات الجوية على مواقع الحوثيين ومعسكراتهم وتعزيزاتهم، كما أن ثمة اشتباك مباشر بين الحوثيين والسعوديين في مناطق المواجهات في الحدود السعودية، بالإضافة إلى أن الحوثيين منذ سنوات يشنون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع ومنشئات سعودية، الأمر الذي يعني أن جزءاً من الحرب يشارك فيه الوكيل والوكلاء، وعلى الرغم من النفي المستمر لحزب الله- أقوى حلفاء إيران في المنطقة، لأي دور عسكري له في اليمن، فإن عدداً من التقارير الاستخباراتية أكدت وجود فاعل لمقاتلي الحزب في عدة محافظات يمنية، ونقلت وسائل إعلام غربية عن مسؤولين أمريكيين إن الحرس الثوري الإيراني وحزب الله ينشطان في اليمن. [17]

وفيما سبق يظهر إشكال وتعقيد آخر للحرب اليمنية، يجعل لها بعض الخصوصية في كونها لم تعد تقتصر على مشاركة الأطراف الداخلية فقط، ما يشي بأن الحرب- من هذه الناحية تفتقد بعض مميزاتها بالنسبة للأطراف الخارجية بعدما صاروا شركاء في ميدان المعركة، ويتحملون كثيراً من تبعاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وهذا التعقيد يعد محفزاً مهماً للوصول إلى السلام، مع ما يكتنف هذا الأمر من ملابسات وتعقيدات داخلية وخارجية. 

ووفقاً لبعض منظري حل النزاعات، فإنه "خلال مرحلة معينة من النزاع، دون غيرها، تظهر الأطراف المتحاربة استعدادها للتداول بشأن مقترحات التسوية التي طالما تغاضت عنها في السابق، ويعود ذلك إلى إدراكها بأن أي بديل عن التفاوض سيؤدي إلى كارثة، فضلاً عن أنه لا تلوح في الأفق أية علامات لإمكانية الحسم العسكري".[18] وبالتأمل في الوضع العسكري اليمني منذ أكثر من سنة تقريباً، نجد أن التوصيف السابق يكاد ينطبق على حالة أطراف الحرب في اليمن، وباستثناء خطوات تصعيد الحوثي، ومنها استهداف منشئات نفطية في أكتوبر/تشرين 2022، في جنوب اليمن، ومهاجمة تعز ومأرب، فإن الجمود يكاد يلف المشهد العسكري برمته.

 

التقارب السعودي- الإيراني والحرب اليمنية

رغم إن الإعلان عن استئناف العلاقات بين السعودية وإيران في مارس/اذار الماضي بدا مفاجئاً لكثيرين، إلا أنه حظي بتأييد مختلف الدول العربية والإسلامية، باعتباره مقدمة وبارقة أمل لحل كثير من النزاعات التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، ومنها سوريا واليمن والعراق ولبنان، فضلاً عن قضايا وملفات ظلت عالقة سنوات طويلة بسبب التنافس الإقليمي بين الرياض وطهران.

لقد فاجأ هذا التحول كثيرين، خاصة في الشرق الأوسط، فالمعروف أن السعودية وإيران عدوان لدودان وطرفان رئيسيان للصراع في مناطق عدة، وكل منهما يتهم الآخر بتأجيج الأوضاع في المنطقة، بيد أن المتغير في الأمر كان دور الصين، أكبر مشترٍ للنفط الخام السعودي والإيراني، وإحدى القوى الكبرى القليلة التي تتمتع بعلاقات صحية مع كلا البلدين.[19] أبرمت بكين وطهران صفقة اقتصادية ضخمة في يوليو /تموز 2021 بقيمة 400 مليار دولار، وفي العام التالي، وافقت طهران على الانضمام إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، وهي مجموعة تربط بين الصين والهند وروسيا والعديد من دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا.[20]

وفي أعقاب هذا التقارب الذي جاء بعد أكثر من 7 سنوات على القطيعة، بدأ المراقبون والمحللون يتوقعون حدوث انفراج في الحالة اليمنية، مع إن الحرب شبه متوقفة منذ إعلان الأمم المتحدة عن هدنة زمنية في أبريل/نيسان 2022، ذلك أن الحرب اليمنية تعد أبرز تجليات الصراع بين إيران والسعودية، وظلت نيران هذه الحرب تستعر كلما تصاعدت مؤشرات العداء والتنافس الإقليمي بين الخصمين اللدودين، وبالتالي فإن حدوث تقارب بينهما لابد أن ينعكس على الوضع في اليمن، خاصة وأن ثمة جهود تبذلها الأمم المتحدة وأطراف إقليمية ودولية، من أجل الدفع بالأطراف اليمنية لإنهاء الحرب التي دخلت عامها التاسع وقت إعلان التقارب السعودي- الإيراني في مارس الماضي.

ومع أن إعلان التقارب – من وجهة نظر بعض المراقبين- بعث الأمل والتفاؤل بإمكانية إنهاء الصراع في اليمن، إلا أن ثمة من يرى أن هذا "الاتفاق لا يعني سلاماً في اليمن، خصوصاً إذا اكتفى بإتاحة مساحة أكبر لتواصل المحادثات بين السعودية والحوثيين التي قد تؤدي في نهاية المطاف لانسحاب الرياض من ساحة المعركة"[21].

بعد نحو شهر من إعلان التقارب الذي رعته الصين وصل وفدان من السعودية وسلطنة عُمان إلى العاصمة اليمنية صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون، لإجراء مباحثات مع القيادات الحوثية بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يؤدي إلى إنهاء الحرب.

ويمكن الإشارة إلى فيما يلي إلى أهم محطات الحوار بين السعوديين والحوثيين خلال السنوات الماضية:

  • بدأت المفاوضات بين السعوديين والحوثيين لأول مرة في مارس/أذار 2016، عبر ما أُطلق عليه "مسار أبها- الظهران"، وغلب عليه تناول الملفات الأمنية بين الطرفين، ولعبت فيه سلطنة عُمان دور الوساطة التحضيرية، وبدأت المفاوضات لقاءات غير رسمية في أبها والظهران، ثم تحولت إلى لقاءات رسمية وتفاوض في الرياض[22].
  • أجرى الطرفان في سبتمبر/أيلول 2019، مفاوضات غير مباشرة برعاية أمريكية عُمانية، ونجم عنها تخفيف حدة الهجمات المتبادلة وفتح مطار صنعاء لمغادرة المرضى، والسماح بوصول السفن إلى ميناء الحديدة، وبعد نحو شهرين توقفت التفاهمات، ومن ثم عاود الحوثيون تنفيذ الهجمات ضد المنشئات السعودية، وفي يناير/كانون ثان 2020، بدأت جولة أخرى من المفاوضات لكنها سرعان ما توقفت، واستأنف الحوثيون هجماتهم مستهدفين منشئات نفطية سعودية.[23]
  • في أبريل/نيسان من العام نفسه أعلن التحالف الذي تقوده السعودية وقفاً لإطلاق النار من طرف واحد لمدة أسبوعين لمواجهة فيروس كورونا، وفي المقابل رفض الحوثيون وقف إطلاق النار وواصلوا التصعيد، باستهداف مناطق ومنشئات سعودية عدة.
  • أعلنت السعودية في مارس/أذار 2021، عن مبادرة تضمنت وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وبدء مشاورات بين الأطراف اليمنية، برعاية الأمم المتحدة وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، وأعلن الحوثيون رفضهم تلك المبادرة واستمروا في تصعيدهم العسكري.
  • أبريل/ نيسان 2022، قادت جهود الأمم المتحدة إلى اتفاق أطراف الحرب على هدنة مؤقتة، جرى تمديدها حتى أكتوبر/تشرين من العام نفسه، وأدت إلى خفض حدة التصعيد العسكري، وإعادة تشغيل الرحلات الجوية من مطار صنعاء وفتح ميناء الحديدة.
  • أكتوبر/تشرين 2022 كشفت تقارير إعلامية عن محادثات بين السعوديين والحوثيين، ناقشت عدة موضوعات منها الأمن في المناطق الحدودية جنوب المملكة، وتخفيف القيود المفروضة على مطار صنعاء وميناء الحديدة.

 استمرت الرياض بالتحدث إلى الحوثيين خلال الفترة الماضية، رغم هجماتهم المستمرة ضد البنية التحتية، كما أنهم استعملوا لهجة أكثر تصالحية مع السعوديين، سواء سراً أو علناً، لكن لم يجد الطرفان أرضية مشتركة، بسبب أساليب التفاوض المختلفة والمطالب غير المتوافقة، فالحوثيون يسعون من أجل الوصول إلى اتفاق خطي مفصل يحقق مطالبهم، بشكل رئيسي: فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، ودفع رواتب جميع موظفي الدولة بما فيهم أجهزتهم الأمنية والعسكرية، وانسحاب السعودية من الحرب وإيقاف دعمها للحكومة اليمنية، مقابل هدنة طويلة، وأن تدفع السعودية للحوثيين أموال تحت مسمى "إعادة الإعمار"، فيما يسعى السعوديون للتوصل إلى تفاهم حول مسار لإنهاء الحرب، ويرفضون الالتزام الخطي للحوثيين، وكل طرف يعتقد أن الطرف الآخر سيقبل بمطالبه عاجلاً أو آجلاً.[24]

 

بين الجمود واللحظة الناضجة

لابد من توافر عدة شروط لإنهاء الحرب، منها رغبة الأطراف المتحاربة في التوصل إلى تسوية، وفي حال كان المتحاربون في الميدان وكلاء لموكلين وداعمين خارجيين، بمعنى أنها حرب بالوكالة، فإن رغبة الداعمين تعد ركناً أساسياً في عملية السلام، ويغدو هنا "سلاماً بالوكالة"، كما سبقت الإشارة، وهو ما يتطابق مع الحالة اليمنية في حالتي الحرب والسلام.

وقد يشكل التقارب الإيراني- السعودي حافزاً لتحقيق السلام، اعتماداً على كون أطراف الحرب الداخلية والخارجية، قد وصلت إلى "اللحظة الناضجة"، كما يطلق عليها ويليام زارتمان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز بواشنطن، الذي يرى أن "توقيت التوصل إلى قرار، يُعد أحد المفاتيح الضرورية للحل، لأن الأطراف المتصارعة تعمل فقط على تسوية النزاعات عندما تكون جاهزة لذلك، وعندما تكون الوسائل البديلة أحادية مغلقة، أو عندما تشعر الأطراف أنها في ورطة مكلفة وغير مريحة، في تلك اللحظة فقط تبدو المقترحات الموجودة على الطاولة منذ فترة جذابة ومقبولة".[25] ومع أهمية أن يصل داعمو الحرب إلى هذه اللحظة من أجل تحقيق السلام، فإن وصول أطراف الحرب لـ"اللحظة الناضجة" أكثر أهمية، لأن السلام لن يتحقق ما لم يصل المتحاربون أنفسهم إلى تلك اللحظة.

وقد تواترت التأكيدات الإيرانية المُطمئنة للسعوديين بدور في إنهاء حرب اليمن، منها تأكيد البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إن المصالحة "ستسرع وقف إطلاق النار، وتساعد في بدء حوار وطني، وتشكيل حكومة وطنية شاملة في اليمن"[26]،الأمر الذي يكشف عن اقتراب الأطراف الراعية من لحظة النضج.

 وإذا كان زارتمان يتحدث عن "اللحظة الناضجة"، فإن هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميريكي الأسبق الذي كان له باع طويل في عمليات التسوية في مناطق مختلفة من العالم، ويوصف بـ"مهندس عملية السلام في الشرق الأوسط"، يعتبر أن "الجمود" هو الشرط الأكثر ملاءمة للتوصل إلى تسوية بين طرفين متحاربين. ووفقاً لمراقبين فإنه لا يبدو أن أياً من الطرفين في اليمن مستعد للعودة إلى الحرب، وكل منهما يدرك أن تجدد القتال سيكون مكلفاً[27].

من هنا يبدو أن وصول طرفي الحرب إلى "اللحظة الناضجة" أو "الجمود"، يعد عاملاً مهماً ومحفزاً رئيسياً لإنهاء الحرب، وثمة شواهد كثيرة على أن طرفي الحرب الرئيسيين في اليمن وصلا إلى تلك اللحظة، والحال ينطبق على الداعمين البارزين في الرياض وطهران، سيما وقد توصلا إلى الاتفاق على استئناف العلاقات الثنائية، الأمر الذي يؤكد- بحسب محللين- أن التفاوض أصبح مرغوباً فيه لدى الطرفين، مع تلاشي الأمل في تحقق مكاسب من العداء والتوتر بينهما ومن خلال الأطراف المحلية التي تتولى دعمها وتمويلها.[28] 

ورغم خطورة اللحظة الناضجة فإنها تشكل فرصة لصياغة سرد لما يعنيه السلام في اليمن: ليس رؤية الحوثيين في الهيمنة، ولا مطالب الحكومة في استسلام المتمردين الحوثيين، بل سلسلة من التنازلات من خلال محادثات متعددة الأطراف،[29] وبحسب زارتمان فإن "نجاح عملية الوساطة مرتبط ببلوغ لحظة النضج وإدراكها من قبل المتنازعين، ويكون ذلك بوقوع أطراف النزاع في المأزق الضار المتبادل الذي تلوح في أفقه كارثة وشيكة؛ أو عندما تسد جميع الطرق أمام الحلول الانفرادية بحيث تبدو الحلول المشتركة بمثابة المخرج الوحيد".[30] ويمكن أن تحدث لحظة النضج عند تغيّر "موازين القوى ضمن كل طرف وقيام القيادات الصاعدة والقيادات المنتكسة بإعادة النظر في حساباتها".[31] ومع ضرورة إدراك أطراف النزاع لتلك اللحظة، بما ينعكس على استعدادهم للتفاوض للخروج من المأزق المتبادل، يظل الأهم مدى إدراك الأطراف الثالثة (وسطاء السلام) للحظة النضج تلك، للتدخل لتيسير التفاوض.[32]

 

معوقات في طريق السلام 

تحاول الدراسة أن تقتصر هنا على أبرز المعوقات المرتبطة بهذا النوع من السلام، وهو السلام بالوكالة، موضوع الدراسة، مع أن بعض المعوقات يمكن أن يكون ضمن معوقات السلام بالوكالة، وفي الوقت نفسه يأتي ضمن معوقات السلام بشكل عام.

  • عدم وصول الرعاة والوكلاء إلى "اللحظة الناضجة"، وقد سبقت الإشارة إلى أهمية وصول أطراف الحرب إلى هذه النقطة، وهذا يشمل الرعاة/الداعمين الخارجيين، والوكلاء/ الأطراف المحلية. أن تكون أطراف الخارج قد وصلت لهذه اللحظة لكن طرفاً داخلياً أو أكثر، لا يزال يسعى لتحقيق مزيد من الأهداف، أو العكس، بمعنى أن أطراف الداخل وصلت إلى لحظة النضج فيما يظل أحد الرعاة يعمل لاستمرار الصراع، ما يعني أنها لا تتوفر لديه النية والإرادة لتحقيق السلام، حتى وإن كان يدّعي غير ذلك. وقد رأى بعض المراقبين في إطلاق مسؤولين إيرانيين تصريحات إعلامية تنفي تبعية جماعة الحوثي لهم، إقراراً – ولو بطريقة غير مباشرة- بأن طهران ليست راغبة في إنهاء الحرب، وحجتها في ذلك أن قرار الحوثيين مستقل عن إيران، وهم الذين يرفضون إيقاف الحرب، وليست إيران، ومع ذلك فإن ثمة تأكيد إيراني على القيام بدور في إيقاف الحرب، وقد سبقت الإشارة إليه.
  • تعدد الرعاة والداعمين الخارجيين، وظهور داعمين جدد غير الداعمين الرئيسيين، وهما إيران والسعودية في الحالة اليمنية، ووجود داعم جديد يدعم وكيلاً محلياً أو أكثر، قد يدفع وكلاءه لعرقلة جهود التسوية إن رأى أنها تسير في غير صالحه. خاصة مع اختلاف الأجندة والأهداف لهذا الداعم عن الداعمين الآخرين، كما هو الحال في ظهور دولة الإمارات لداعم لبعض أطراف الحرب، بأجندة وأهداف تختلف عن أهداف السعودية، رغم أنها دخلت معها في الحرب كحليف لتحقيق الأهداف المعلنة للتحالف العسكري العربي الذي تقوده الرياض منذ العام 2015. ويرتبط بهذا الأمر بروز تعقيدات قضية جنوب اليمن، والمطالبات المستمرة بالانفصال، وهي مطالب تتبناها قوى سياسية تدعمها أبوظبي، ومنها المجلس الانتقالي المطالب بانفصال جنوب اليمن، وبالتالي فإن الوصول إلى تسوية في الملف اليمني لابد أن يشمل كل الرعاة الخارجيين، مالم فإن احتمال إفشال التسوية وارد. خاصة وأن اليمن منذ أكثر من عشر سنوات باتت شبه مفتوحة للأطراف الخارجية – إقليمية ودولية، ولم يعد الأمر يقتصر على الرياض وطهران فقط، وإن كانتا هما الأبرز والأكثر حضوراً سيما في موضوع الصراع المسلح.
  • تراجع دور الرعاة وتنامي استقلالية الوكلاء: ينتج عن الانتقال من حالة الحرب إلى السلم، تغير في طبيعة العلاقة بين الراعي والوكيل، يتراجع معها تأثير الرعاة، فيما تعظم قدرات الوكلاء على الاستقلالية، الأمر الذي يجعلهم يتصرفون بمعزل عن الرعاة[33]، ذلك أن الرعاة يعطون مساحة من الاستقلالية للوكلاء في ديناميات الوكالة السلمية كونهم أكثر خبرة ومعلومات، حيث تفترض نظرية الوكالة أن الرعاة في موقف أضعف من منظور المعلومات[34]، وتظهر إشكالية، "عندما لا ينفذ الوكلاء الأهداف الموكلة لهم، أو أنهم يوجهون الدعم الخارجي في اتجاهات لا تحقق أهداف الرعاة في مسارات السلام"[35]. وهنا يمكن ملاحظة أن طرفاً يمنياً أو أكثر قد يرى في إنهاء الحرب- وفق صيغة معينة ليس في صالحه، وأن الراعي تخلى عنه، أو ضحى به من أجل الوصول إلى التسوية، فيعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على استمرار الصراع، إما بالاعتماد على قدراته وإمكاناته أو بالبحث عن راعٍ وداعمٍ جديد.
  • عدم تسوية القضايا والخلافات الرئيسية التي أدت لنشوب الحرب، حتى مع توافق الرعاة والداعمين، فإن بقاء هذه القضايا بدون معالجة كفيل بأن يبقي جذوة الصراع مشتعلة، قد تهدأ لبعض الوقت، لكنها سرعان ما تعود أكثر اشتعالاً. وإن الاتفاق السعودي- الإيراني، وبعده المحادثات السعودية مع الحوثيين، يمكن لها تسوية البعد الإقليمي في الصراع بينما يبقى البعد المحلي بدون معالجة، وله جذوره وأسبابه وتعقيداته التي تدفع بأطراف الصراع إلى خوض الحرب في أي لحظة. على سبيل المثال تقول دينا اسفندياري، من مجموعة الأزمات الدولية: "إذا كنا على وشك رؤية صفقة سعودية-حوثية فقط، فيجب أن تكون الأساس لحوار يمني-يمني، وإلا فإننا سنواجه مشكلة داخل اليمن مع وجود مظالم لمختلف الأطراف الأخرى لم تتم معالجتها".[36]ويرى مراقبون أن أسس الصراع في اليمن محلية بدرجة رئيسية وليست إقليمية، كما أن الحرب اليمنية تتسم بتنوع طبقاتها، وتغير ديناميكياتها وتعدد الفاعلين فيها داخلياً وخارجياً.[37]
  • عدم توافق الأطراف الرئيسية (المحلية) على صيغة معينة للفترة الانتقالية وآليات إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، وقبل الوصول إلى انتخابات أو استفتاء يضفيان الشرعية الدستورية والقانونية على الوضع الجديد، وبدون هذا التوافق تبقى مبررات الصراع قائمة، وكثيراً ما اصطدمت جهود السلام بهذا العائق، خاصة في حالات الصراع اليمني، وفي هذه الحرب تحديداً، ويرجع تعقيد هذا الأمر إلى افتقار اليمن لمقومات الدولة الأساسية، التي تعد الراعية للحقوق والحريات والضامنة لتطبيق ما يتم التوافق عليه، لذلك فإن الطرف الذي يستأثر بإدارة المرحلة الانتقالية يكون متهماً من بقية الأطراف بالاستيلاء على جميع مفاصل السلطة والثروة، كي يضمن لنفسه السيطرة على السلطة لأطول فترة زمنية ممكنة. وتبرز حالة الحوثيين خلال سنوات الحرب كدليل على ذلك، باستئثارها بكل مقدرات الدولة والسطو على الموارد ومصادرة الممتلكات العامة والخاصة، مستخدمين ما تبقى من المؤسسات في سبيل الاستيلاء على السلطة والثروة، وقيامهم بتغيير مناهج التعليم وتجنيد الأطفال وتحشيد المجتمع بشكل طائفي ومذهبي، وبصورة تجعل مهمة القوى الوطنية في المرحلة القادمة أكثر صعوبة وتعقيداً.  

 

خاتمة

ناقشت الدراسة الحالة اليمنية الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة والجهود الرامية لإنهاء الحرب، سيما بعد إعلان التقارب بين السعودية وإيران، الداعمين الرئيسيين لطرفي الحرب اليمنية، إلى حد وصفها بكونها حرب بالوكالة بين طهران والرياض، مع التأكيد أن حضورهما في الملف اليمني يسبق الحرب بسنوات عديدة.

وتفترض الدراسة أن التقارب السعودي- الإيراني قد يدفع بمفاوضات وقف الحرب لتتقدم خطوة عما كانت عليه خلال الفترة الماضية، بعدما ظلت تراوح مكانها، وتتوقع الدراسة أن يقود التقارب إلى تحقيق سلام بالوكالة، بعد التوافق على إنهاء حرب الوكالة التي اشتعلت لأسباب وقضايا داخلية، لكنها استمرت وتوسعت بدعم خارجي تصدرته الرياض وطهران ، الأولى بدعمها الحكومة المعترف بها دولياً والقوات الموالية لها، والثانية بدعمها للجماعة المسلحة شمال البلاد.

وإن تحقيق الأهداف المرجوة في الوصول إلى سلام مستقر ودائم، لن يقتصر على دور السعودية وإيران ما لم يكن هناك دور للمجتمع الدولي، وفي المقدمة الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن، وكذلك الدول الكبرى التي ظلت تعلن دعمها للعملية السياسية في اليمن منذ اندلاع الثورة الشعبية في العام 2011. وإن من شأن الدور الدولي في جهود إنهاء الحرب أن يعطي رسائل تطمين وضمانات بحلول أكثر عدالة ومعالجات أكثر موضوعية سيما في ظل تعدد أطراف الصراع وتداخل القضايا وكثرة التحديات القائمة والمتوقعة في المستقبل.

 

 

مراجع



[1]  غالب دالاي، عملية سلام بالوكالة، موقع ترك برس، في 29 ديسمبر 2016، على الرابط:

https://www.turkpress.co/node/29444

[2]  خالد حنفي، الخيار الموازي: السلام بالوكالة في مناطق الصراعات المسلحة، كراسات استراتيجية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام)، العدد 320، يناير 2021، صـ5.

[3]  رانيا حسين خفاجة، نظرية الوكالة: المفاهيم والأبعاد والإشكاليات، ملحق اتجاهات نظرية، حول "الوكلاء في العلاقات الدولية"، السياسة الدولية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام)، العدد 218، أكتوبر 2019، صـ5. 

[4] خالد حنفي، الخيار الموازي، مرجع سابق، صـ6.

   [5]  Syria needs 'proxy peace' to replace proxy war, top EU diplomat says. Reuters, 14 March 2017:

  https://www.reuters.com/article/mideast-crisis-syria-eu-idINKBN16L29I .

[6] السياسة السعودية تجاه الحوثيين قبل عاصفة الحزم، منتدى السياسات العربية، 6 نوفمبر 2021، على الرابط: https://cutt.us/Mn2DM .

[7]  فؤاد مسعد، مستقبل الهاشميين في اليمن، مركز أبعاد للدراسات والبحوث، سبتمبر 2022، على الرابط: https://abaadstudies.org/news-59910.html .

[8]  مصطفى زهير، السياسة الخارجية الإيرانية وأثرها على مستقبل اليمن (2011-2015)، رسالة ماجستير منشورة، قسم العلوم السياسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، (جامعة الأزهر- غزة 2017)، صـ30. 

[9] تصريح صحفي تناقلته وسائل إعلام إيرانية عن علي رضا زاكاني، مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني، ومقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، (طهران، سبتمبر 2014). 

[10]  إيران تقر لأول مرة بمشاركتها في حرب اليمن: كل ما يمتلكه الحوثيون بفضلنا، العربي الجديد، 22 أبريل 2021، على الرابط: https://2u.pw/NgdXf .

[11]  خالد حنفي علي، تغيرات ومخاطر الوكالة في مناطق الصراعات، ملحق اتجاهات نظرية، حول "الوكلاء في العلاقات الدولية"، السياسة الدولية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام)، العدد 218، أكتوبر 2019، صـ3.

[12] فؤاد مسعد، النظرية الهادوية ودورها في خلق الاضطراب السياسي، حكمة يمانية، 26 يناير 2023، على الرابط: https://2u.pw/D7HkrE .

[13] عبده عايش، ما وراء الحرب بين الحوثيين والسلفيين باليمن، الجزيرة نت، 1 سبتمبر 2013، على الرابط: https://2u.pw/OAZr75 .

[14]  تحالف الأحزاب: لا يمكن إحلال السلام في اليمن دون أن تسهم التفاهمات بين السعودية وإيران في تفكيك ميليشيا الحوثي، المصدر اونلاين، 13 مارس 2023، على الرابط: https://almasdaronline.com/articles/270708 .

[15]   ما وراء الحرب بين الحوثيين والسلفيين باليمن، مرجع سابق.

[16]  للمزيد حول الصراعات في اليمن، انظر: ستة عقود من انعدام الاستقرار في اليمن، مركز أبعاد للدراسات والبحوث، 19 مايو 2020، على الرابط: https://abaadstudies.org/news-59839.html .

[17] طوني بولس، من هم مستشارو حزب الله في اليمن؟ اندبندنت عربية، 14 ديسمبر 2021، على الرابط: https://2u.pw/XlDp0i .

[18]  عادل زقاغ، حل النزاعات ومسألة التوقيت المناسب: مراجعة لنظرية لحظة النضج، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة باتنة1، العدد 18، 2008، على الرابط: https://2u.pw/Tskb8S .

[19]  اختبار اتفاق السعودية وإيران في اليمن، مركز أبعاد للدراسات، مارس 2023، صـ10.

[20]  المرجع نفسه.

[21]  مصير الاتفاق الإيراني- السعودي سيرسم في 4 دول عربية، يورونيوز عربية، 13 مارس 2023، على الرابط: 

https://2u.pw/gALi48 .

[22] أحمد عليبه، المعضلة اليمنية، الصراع على دولة مأزومة، كراسات استراتيجية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام)، العدد 285، فبراير 2018، صـ37.

[23] حرب الحدود والنفط.. تحسين شروط المفاوضات بين السعودية والحوثيين، مركز أبعاد للدراسات، 3 مارس 2020، على الرابط: https://abaadstudies.org/news.php?id=59832 .

[24]  كيف يمكن للمفاوضات السعودية- الحوثية أن تنقذ اليمن أو تغرقه؟ مجموعة الأزمات الدولية، إحاطة حول الشرق الأوسط رقم 89، ديسمبر 2022، صـ2.

[25] طارق الشامي، لماذا تفشل مفاوضات السلام بين المتحاربين، اندبندنت عربية، 15 أبريل 2022، على الرابط: https://2u.pw/VbooHZ .

[26]  اختبار اتفاق السعودية وإيران في اليمن، مرجع سابق، صـ13.

[27] كيف يمكن للمفاوضات أن تنقذ اليمن، مرجع سابق.

[28]  اختبار اتفاق السعودية وإيران، مرجع سابق، صـ4.

[29]  كيف يمكن للمفاوضات أن تنقذ اليمن، مرجع سابق.

[30] حل النزاعات ومسألة التوقيت المناسب، مرجع سابق.

[31]  المرجع نفسه.

[32]  خالد حنفي، الخيار الموازي، مرجع سابق، صـ18.

[33]  خالد حنفي، تغيرات ومخاطر الوكالة في مناطق الصراعات، مرجع سابق، صـ4.

[34]  رانيا حسين خفاجة، نظرية الوكالة، مرجع سابق، صـ5.

[35]  خالد حنفي، الخيار الموازي، مرجع سابق، صـ33.

[36]  مصير الاتفاق الإيراني- السعودي سيرسم في 4 دول عربية، مرجع سابق.

[37]  اختبار اتفاق السعودية وإيران في اليمن، مرجع سابق، صـ15.

 

 

نشر :