سباق الحرب والسلام في اليمن:الفرص والسيناريوهات المحتملة

د. ناصر محمد علي الطويل
2023-01-25   Reads: 437

ENGLISH

PDF

 

مقدمة:

    بالرغم مِن أنَّ المشهد السياسي والأمني في اليمن يتَّسم بالمراوحة، إلَّا أنَّ ثمَّة توتر واستنفار في عدد مِن الملفات، ومِنها العلاقات السعودية مع الحوثيين، والتي سيكون لها انعكاساتها على بقيَّة الملفات، والتَّوتُّر القائم في محافظة حضرموت بسبب مساعي "المجلس الانتقالي" الجنوبي في فرض سيطرته العسكرية على المحافظة، والانقسامات القائمة بين أعضاء "مجلس القيادة الرئاسي"، وما يُشاع عن مناقشات لتغيير في الحكومة، وربَّما تغيير في المجلس نفسه، والتَّطوُّرات الناجمة عن تمكُّن الحوثيين مِن إعاقة تصدير النَّفط، واتِّخاذ الحكومة "الشَّرعية" قرارات خطيرة في الجانب الاقتصادي قد يكون لها الكثير مِن التَّداعيات السلبية على وضع السلطة "الشَّرعية"، وأوضاع المواطنين المعيشية، وقد توفِّر تهديدات كبيرة للسلطة المحلية في مأرب، ومحيطها القبلي والجغرافي.

هذه الورقة تسعى لتشخيص الواقع الراهن، مِن خلال رصد وتحليل أبرز التحوُّلات في القوى الرئيسة المؤثِّرة في الواقع العسكري والسياسي في اليمن خلال المرحلة الراهنة، وتحديدًا منذ التَّوافق على هدنة إنسانية، ومحاولة بلورة مقارباتها للمرحلة القادمة، واشتقاق سيناريوهات في ضوء التوجُّهات المحتملة للقوى الرئيسة المؤثِّرة في المشهد.

 

أوَّلًا: تشخيص الوضع الراهن

 

ينساق تشخيص الوضع القائم إلى تحديد التطورات الجوهرية في القوى الرئيسة المؤثِّرة في الشأن اليمني في المرحلة الراهنة مِن الصِّراع، ونعني بالتحديد: المملكة العربية السُّعودية، وجماعة الحوثي، ومجلس القيادة الرئاسي، والولايات المتحدة، والاتِّحاد الأوربِّي، مع ذكر أهم توجُّهاتها في المستقبل الزمني القريب، بما يساعدنا على رسم ووصف السيناريوهات المحتملة.

السعودية:

اقتضت تطوُّرات عقد مؤتمر المشاورات اليمنية- اليمنية، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، ونقل السلطة اليه، الموافقة على هدنة إنسانية لمدَّة شهرين قابلة للتجديد، دخلت حيَّز التنفيذ مع بداية شهر أبريل 2022م، وتمَّ تجديدها مرَّتين، وتعثَّر هذا التجديد مع بداية شهر أكتوبر الفائت (2022م)، ومع هذا فقد استمرَّ العمل بمضمون الهدنة بصورة غير رسمية، فقد انتظم دخول سفن نقل النَّفط إلى ميناء الحديدة، وكذا الرحلات الجوية مِن مطار صنعاء إلى العاصمة الأردنية (عمَّان)، وبقي مستوى العمليات العسكرية في حالة انخفاض كما كان عليه في وقت سريان الهدنة رسميًّا.

وفي مقابل لغة التهديد التي أبداها الحوثيون، عمدت السعودية إلى فتح قنوات للحوار معهم، تارة تحت لافتة إنسانية (تبادل كشوفات الأسرى والمفقودين، والتأكُّد مِن وجودهم)، وتارة أخرى مِن خلال الوساطة، حيث جرى تفعيل الوسيط العماني لإدارة مفاوضات غير مباشرة مع جماعة الحوثي، دون أن يصل الأمر إلى الاستجابة لمطالبهم، وخاصَّة في شأن الرواتب.

وفي مسار آخر، مارست (الرِّياض) جملة مِن الضغوط على "المجلس الانتقالي" الجنوبي، لضبط سلوكه في إطار مجلس القيادة الرئاسي، بما فيها منع عيدروس الزبيدي مِن العودة إلى العاصمة المؤقَّتة (عدن)، ورفض مساعيه لفرض سيطرته العسكرية على حضرموت،.. إلخ.

الحوثيون:

وفَّرت الهدنة لجماعة الحوثي ظروفًا أفضل لالتقاط أنفاسها، وترتيب أوراقها، كما وفَّرت فرصة لفرض أجندتها الفكرية، كما هو الحال في موضوع "مدوِّنة السلوك الوظيفي" 

وعقد مؤتمر للتهيئة لتغيير المناهج والمقرَّرات التعليمية في التعليم ما قبل الجامعي. غير أنَّ الهدنة جعلتهم عُرضة -في المقابل- لضغوط شعبية وإعلامية واسعة، بسبب عدم صرف مرتَّبات الموظَّفين، بالرغم مِن توفُّر الموارد، وتوقُّف الحرب، كما إنَّها -أي الهدنة- دفعت الصراع بين الأجنحة والشَّخصيات المتنافسة داخل الجماعة للظهور على السطح.

وتقوم مقاربة جماعة الحوثي للمرحلة المقبلة على ممارسة الضغط مِن خلال الأدوات العسكرية، للاستمرار في إعاقة تصدير النفط مِن قبل الحكومة الشرعية، وإرسال رسائل تهديد لدولتي "التحالف العربي"، السُّعودية والإمارات، بإمكانية استهداف مناطق إستراتيجية فيهما؛ وعلى التَّصلُّب في المواقف تجاه القضايا التي تطرحها الأطراف الدولية، باستثناء أمور يسيرة؛ وكذلك على استمرار القبضة الأمنية في مناطق سيطرتهم.

مجلس القيادة الرئاسي:

جاءت الهدنة لتقديم "مجلس القيادة الرئاسي" للمجتمع الدولي باعتباره معنيًّا بإنهاء الحرب، والوصول إلى تسوية سياسية مع الحوثيين. وقد كانت الهدنة مناسبة لإعادة ترتيب وضع السلطة "الشَّرعية"، المعترف بها دوليًّا، غير أنَّ التناقض الكبير بين مكوِّناته، وغياب الحرب مع الحوثيين أدَّى إلى إثارة الصراع والتنافس بين مكوِّناته الرئيسة؛ خاصة بعد تمكُّن "المجلس الانتقالي" الجنوبي مِن السيطرة على بعض المناطق في محافظة شبوة، على إثر معارك احتدمت خلال عدد مِن الأيَّام، تلى ذلك تمدُّده في محافظة أبين، وتوجُّهه للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة.

وإضافة إلى ذلك، تدهور وضع "مجلس القيادة الرئاسي" بشكل أكبر بفعل أمرين: امتناع السعودية والإمارات عن تحويل الأموال التي وعدتا بها كوديعة في البنك المركزي، وبشكل أكبر بفعل تمكُّن الحوثيين مِن إيقاف تصدير النَّفط، المقدَّرة بـ(60,000) برميل يوميًّا، بعد هجماتهم.

وباستثناء قرار مجلس الدفاع الوطني اعتبار جماعة الحوثي جماعة "إرهابية"، لم يتَّخذ المجلس أيَّ إجراء عسكري يوقف الحوثيين عن ضرب موانئ تصدير النَّفط، ولم يُظهر أيَّ جُهد -على الأقل مِن الناحية العلنية- للضغط على دولتي "التَّحالف" لتحويل أموال الوديعة التي تعهَّدتا بها، كما لم يتَّخذ أيَّ إجراءات حقيقية لترشيد الإنفاق المبالغ فيه لدى الحكومة، وعوضًا عن ذلك اتَّجه إلى تحميل المواطنين الأعباء الناتجة عن تلك التطوُّرات، مِن خلال اتِّخاذ ما يُسمَّى "المجلس الاقتصادي الأعلى" قرارات برفع أسعار الغاز والنفط المحلِّي، والكهرباء، وسعر الدولار الجمركي، وهي أمور ستكوي ظهور المواطنين، وقد تدفع المناطق الواقعة تحت سيطرة "مجلس القيادة الرئاسي" نحو حالة واسعة مِن الفوضى والاضطرابات، كما أنَّها ستخفِّف الضغوط الشعبية على الحوثيين، وتحيلها نحو الحكومة الشرعية.

الولايات المتحدة:

تدرك الولايات المتحدة تعقيدات الصراع في اليمن، وعلى الأرجح أنَّ إدارة الرئيس الأمريكي، "جو بايدن"، تعاني مِن خيبة أمل؛ فقد حرمها التَّعثُّر في ملف الهدنة الإنسانية في اليمن مِن توظيفه في دعايتها السياسية داخل الولايات المتحدة وعلى الصَّعيد الدولي، والأشد مِن ذلك أنَّها لا تستطيع أن تعكس حنقها في شكل خطاب وسياسية عدائية تجاه السعودية، بسبب أنَّ الحوثيين -وليس الرِّياض ولا حتى مجلس القيادة- هم مَن أعاقوا تجديد الهدنة، بل أظهروا بالتوازي مع ذلك سياسات تحرج الإدارة الأمريكية، ومِنها سجن موظَّفين في سفارتها في صنعاء.

اضطرَّت الإدارة الأمريكية إلى تحميل الحوثيين مسئولية الفشل في تجديد الهدنة، وانتقدت سلوكهم تجاه فكِّ الحصار عن تعز، وغيرها مِن المواضيع، غير أنَّها اتَّجهت بضغوطها العملية نحو السعودية و"مجلس القيادة الرئاسي"، وحتَّى الإمارات، فبقدر ما تريد الضَّغط على الحوثيين، فإنَّها تريد أن تقطع على السعودية و"مجلس القيادة الرِّئاسي" التعويل على العمل العسكري؛ فقد أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، في مقابلة مع تلفزيون العربي الجديد، في العاشر مِن ديسمبر الماضي (2022م)، بأنَّ أمريكا لن تسمح لأيِّ طرف بالاعتقاد أنَّ هنالك حلًّا عسكريًّا في اليمن، في إشارة إلى بعض التصريحات التصعيدية لعدد مِن المسئولين اليمنيين والسعوديين،..  وأوضح بأنَّهم أبلغوا الإمارات بالقلق الأمريكي حيال تعاطي الإمارات مع عدد مِن القضايا في اليمن.

وتتمثَّل أهمُّ ملامح المقاربة الأمريكية في التَّعاطي مع الحرب في اليمن، على العمل مع دول المنطقة، فقد أعلنت بأنَّها لا تستطيع بمفردها حلَّ الأزمة في اليمن، وأنَّها تعمل مع السعودية وسلطنة عُمان والإمارات لتأمين الهدنة في اليمن، وممارسة الضغوط على مختلف الأطراف بما يجعلها تقبل بتجديد الهدنة والمضي باتِّجاه التسوية عبر المرور في مسار متتابع، يعمل على تأمين الهدنة الإنسانية، وصولًا إلى وقف إطلاق النار، ثمَّ العمل على إشراك الأطراف في مفاوضات سياسية تفضي في نهاية الأمر إلى اتِّفاق شامل.

الاتِّحاد الأوربِّي:

بخلاف موقف الاتِّحاد الأوربِّي المتعاطف بشكل مستمر مع الحوثيين، وتقديمهم كأقلية مضطهده، اضطرَّت دول الاتحاد الأوربِّي مؤخَّرًا إلى تبنِّي موقف أكثر حزمًا تجاه الحوثيين؛ فعلى إثر زيارة قامت بها بعثة وسفراء عدد مِن دول الاتحاد الأوربِّي إلى عدن، ومحافظة تعز، صدر بيان عن الاتحاد انتقد فيه موقف الحوثيين مِن السلام، كما انتقد موقف "المجلس الانتقالي"، والذي وصفه بأنَّه يهدِّد وحدة "مجلس القيادة الرئاسي"، والمخالف للموقف الدولي الداعم للوحدة اليمنية. كما رفض عدد مِن السفراء الأوربِّيين التقاط صور تذكارية في عدن بوجود علم التَّشطير.

وبالتَّوازي مع بيان الاتحاد الأوربِّي أطلق السفير الفرنسي تصريحات، لصحيفة الشرق الأوسط، هاجم فيها مواقف الحوثيين وإيران، وأعلن أنَّ اسطوانة المظلومية التي يكرِّرها الحوثيون لم تعد كافية لإقناع أحد، وأنَّ العالم بدأ يفتح عينيه على حقيقة جماعة الحوثي، والتي أوضح أنَّها تقيم نظام رعب وتدمير للمجتمع اليمني بكلِّ فئاته، مؤكِّدًا على الدَّور السلبي الذي تمارسه إيران في دعم الحوثيين، وعدم ضغطها عليهم لصالح السلام، رغم امتلاكها أدوات التأثير عليهم.

 

ثانيًا: السيناريوهات المحتملة

حيث أنَّ الملفات المرتبطة بالصراع في اليمن تتداخل بصورة كبيرة، ممَّا يضفي على المشهد اليمني المزيد مِن التركيب والتعقيد، وحالة عالية مِن عدم يقين، ربَّما يكون مِن المناسب الإمساك بالمتغيِّر المفتاحي، وهو -في تصوِّرنا- السياسية السعودية تجاه الصراع بشكل عام، وتوجُّهها نحو الحوثيين على وجه التحديد، حيث أنَّ موقفها مِن مسارات التهدئة والتسوية أو الحرب قد يكون حاسمًا، واعتماده كمدخل للتحليل ومحاولة استشراف التطوُّرات في المستقبل القريب.

ومع أنَّ السعودية هي مِن بادرت بالتدخُّل العسكري، في 26 مارس 2015م، والذي استمرَّ حتَّى أبريل 2022م، وأصبحت طرفًا رئيسًا في الحرب القائمة، إلَّا أنَّ الأمر لم يعد كذلك، على الأقل خلال الثمانية الأشهر السابقة التي أعقبت العمل بالهدنة، إذ لم يعُد مِن الواضح ما هو الموقف الحقيقي للسُّعودية مِن الصراع في اليمن، وما إذا كانت لا تزال مع الحرب أم لا؟ وإذا كانت كذلك فبأيِّ صورة (مباشرة أو غير مباشرة)؟ وبأيِّ مستوى؟ وإلى أي حدود يُمكن أن تصل؟ وإذا كانت مع إنهاء الحرب، فما هو التصوُّر للحلِّ؟ وأين تنتهي حدوده؟

والحقيقة أنَّ محاولة الإحاطة بإجابات تلك الأسئلة يعدُّ أمرًا شديد الصُّعوبة، إذ غالبًا ما تحاط السياسة السعودية بالكثير مِن الغموض، لاعتمادها بشكل كبير على المناورة، وتفضيلها للعمل عبر قنوات غير معُلنة في الغالب؛ فهي خلال الشهور الثمانية، وبشكل مقصود أو غير مقصود، تبعث في نفس الوقت بالكثير مِن الرسائل غير الواضحة، وربَّما المتناقضة.

وحيث أنَّ الأمر كذلك، فلا بُدَّ مِن محاولة رسم مسارات متوقَّعة للدور السعودي في المرحلة المقبلة، إذ أنَّ دورها - كما سبق - هو الأكثر تأثيرًا في الصراع، وفي تحديد اتِّجاهاته، مع ضرورة الإشارة إلى أنَّ الدور السعودي لا يعمل في فضاء مطلق، إذ هو بدوره يخضع لجملة مِن المحدِّدات والعوامل الضابطة، بعضها داخلي (يرتبط بالأوضاع السعودية الداخلية)، والبعض الآخر متَّصل بطبيعة الأوضاع في اليمن وتعقيداتها، ومواقف القوى اليمنية، فضلًا عن التَّأثير القوي للأطراف الإقليمية والدولية. وفي ضوء ما يتوفَّر مِن مؤشِّرات فإنَّ المسارات المتوقَّعة تتمثَّل في التالي:

السيناريو الأوَّل: استمرار الأوضاع الراهنة

يمثِّل هذا السيناريو مسارًا اتِّجاهيًّا، بمعنى أنَّ العوامل الأساسية التي تنتج المشهد السياسي العام في اليمن، ستبقى كما هي، وبالتالي فإنَّ الاتجاهات الرئيسة في هذا المشهد بشكل عام ستستمر، وهذا يعني أنَّ الحرب لن تحسم خلال الفترة المنظورة (ثلاثة إلى أربعة أشهر كحدٍّ أقصى)، مِن خلال تسوية سياسية أو عمل عسكري، إذ مِن المرجَّح أن تعمل السعودية على اطِّراد الوضع الحالي (هدنة غير رسمية)، وقد يحدث تجديد للهدنة، ولكن مع عدم الدَّفع بها للوصول إلى مفاوضات جدِّية تنتج تسوية، وسيكون سلوك الحوثيين خادمًا لهذا التَّوجُّه، ولكن بدوافع مختلفة، فحتَّى وإن تمَّ صرف مرتَّبات الموظَّفين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين فإنَّ ذلك لن يكون بشكل مستمر.

وفي بعد آخر، يستمرُّ مستوى الدَّعم الذي تقدِّمه (الرِّياض) لمجلس القيادة الرِّئاسي في الحدود القائمة، وخاصَّة في الجوانب الاقتصادية، حيث مِن المستبعد أن تنقل الأموال الخاصَّة بالوديعة إلى البنك المركزي في عدن إلَّا إذا تعرَّضت مناطق سيطرة "الشَّرعية" لحالة عالية مِن الفوضى، نتيجة قرارات المجلس الاقتصادي الأعلى الأخيرة.

كما يتوقَّع أن تُبقِي (الرِّياض) على ضغوطها على "المجلس الانتقالي" الجنوبي، لضبط سلوكه في إطار "مجلس القيادة الرئاسي"، بما في ذلك منعه مِن إثارة الفوضى في محافظة حضرموت، أو إيقاف عمل اللجنة العسكرية المعنية بدمج التشكيلات العسكرية.

يدعم هذا السيناريو: انشغال المجتمع الدولي بالحرب الرُّوسية- الأوكرانية، والجفاء القائم بين القيادة السعودية والإدارة الأمريكية، وعدم توافر عوامل الحسم العسكري، أو القبول بتسوية سياسية بالنِّسبة لـ"مجلس القيادة الرئاسي".

السيناريو الثاني: العمل على فرض إنهاء الحرب

يستند هذا السيناريو إلى توفُّر عدد مِن العوامل التي تعمل على إنهاء الحرب، على الأقل في صورتها الشاملة؛ ومن ذلك: أنَّ السعودية تمتلك موقفًا غير معلن يعمل على إنهاء الحرب، والخروج مِن مستنقعها، ذلك أنَّها تعرَّضت لعدد مِن الضَّربات الموجعة والمحرجة مِن قبل الحوثيين، ولم ينعكس هذا الأمر على استعدادها العسكري للتعامل مع هذا الخطر، وأنَّها تبدو مسلِّمة بقوَّة الحوثيين، وتعمل على تحاشي تكرار تلك الضربات؛ ومِن ذلك أيضًا محدودية دعمها لـ"مجلس القيادة الرئاسي"، سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، وأن هذا الدعم لا يرقى إلى الاستعداد لخوض معركة عسكرية مع الحوثيين، بقدر ما هو يعمل على إضعاف مكوِّنات "الشرعية"، وإغراقها في الفوضى، للقبول في الأخير بتسوية سياسية مع الحوثيين.

وتتَّسق مقولات هذا السيناريو مع الموقف الأمريكي الذي يرفض علنًا العودة إلى العمل العسكري، حتَّى وإن كان تحت رعاية دولة الإمارات وليس السعودية؛ كما أنَّ هذا هو جوهر الاتِّحاد الأوربِّي وإن لدواعي وذرائع إنسانية وسياسية.

السيناريو الثالث: عودة المعارك العسكرية

ينطلق هذا السيناريو مِن فرضيات معاكسة، فالحوثيين بوضعهم الحالي يمثِّلون خطرًا إستراتيجيًّا على السعودية لا يمكن التَّساهل معه، وأنَّ غايات ما قامت به (الرِّياض) خلال الشهور السابقة هو المناورة واكتساب الوقت، وتوفير الظروف لكسر المشروع الحوثي عسكريًّا، بعد عزله اجتماعيًّا وخلخلته داخليًّا، كما أنَّ هامش المناورة قصير للغاية، وأنَّ التطوُّرات إمَّا أن تجبر السعودية للتسليم بمطالب الحوثيين، وهو أمر مستبعد، أو أن تتعرَّض لضربات عسكرية موجعة مِن قبل جماعة الحوثي، وهو ما يقتضي مِنها ردًّا مِن خلال حرب شاملة.

يرجِّح هذا السيناريو أنَّ استمرار مناورة السعودية سيدفع بجماعة الحوثي لشنِّ هجمات على مناطق مختلفة في السعودية، وربَّما في الإمارات، وهذه الضربات قد تكون موجعة، وهو ما قد يدفع (الرِّياض) إلى الدَّفع بالجيش الوطني وبقيَّة التشكيلات إلى الدخول في معارك واسعة مع الحوثيين.

يدعم هذا السيناريو وجود رغبة دولية متفاوتة لحدوث انكسار جزئي يعيد الحوثيين إلى طاولة المفاوضات، ويوفِّر ظروفًا أفضل -مِن وجهة نظرهم- لتجديد الهدنة، والمضي في المسار التفاوضي.




Read Also


Comments

Add Comment