هل ستوقف محادثات مسقط بين السعودية والحوثيين الحرب في اليمن؟

تقييم حالة | 11 فبراير 2023 00:00
 هل ستوقف محادثات مسقط بين السعودية والحوثيين الحرب في اليمن؟

ENGLISH

PDF 

 

مقدمة 

    تمكنت الأمم المتحدة في ابريل/نيسان 2022 من ترتيب هدنة بين الحوثيين والحكومة اليمنية والتحالف العربي الذي تقوده السعودية، واستمرت ستة أشهر لتنتهي دون تجديد في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. لم يكن يتوقع المراقبون للوضع في اليمن التفاؤل الأخير فللمرة الأولى منذ 2015، وافق الحوثيون على وقف إطلاق النار رغم أنهم لم ينفذوا أي شيء مما يخص بناء الثقة مع الحكومة المعترف بها دولياً وهو طلب وحيد يتمثل بفتح الطرقات الرئيسية عن مدينة تعز. ولتجديد الهدنة، تقدم الحوثيون بعدة مطالب متأخرة وغير معقولة من دفع مرتبات الموظفين بما في ذلك ميلشيات الجماعة المسلحة. 

واستمرت الهدنة منذ ذلك الحين دون هدنة معلنة، توقفت المعارك والقصف الجوي، كما استمر فتح مطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة. لكن رغم عدم وجود تقارير عن هجمات صاروخية أو طائرات بدون طيار عبر الحدود نحو المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تحدث معارك بين وقت وآخر في معظم جبهات القتال في اليمن لكن ليس بالمستوى نفسه قبل الهدن، بما في ذلك تقارير عن هجمات الحوثيين على ناقلات النفط في الموانئ اليمنية جنوبي اليمن. لذلك تبقى اليمن تحت المجهر العالمي ضمن عشرة صراعات يجب مراقبتها[1].

لم يتسع نطاق القتال بعد الهدنة. وحسب المبعوث الأممي "منذ أن دخلت الهدنة حيز التنفيذ في 2 نيسان/أبريل العام المنصرم، نقلت 97 رحلة تجارية ما يقرب من 50.000 مسافر بين صنعاء وعمان، تم تسيير 46 رحلة منذ انتهاء الهدنة في 2 تشرين أول/أكتوبر 2022. وعلى صعيد اخر، دخلت 81 سفينة وقود ميناء الحديدة، منها 29 سفينة دخلت بعد انتهاء الهدنة. أرحب باستمرار هذه التدابير التي تتيح لرجال ونساء اليمن الاستمرار من الانتفاع بفوائد الهدنة حتى بعد انقضائها بشكل رسمي في 2 أكتوبر"[2].

 هَدف الحوثيون من استمرار هذا الشكل من الهدنة دون هدنة معلنة تحقيق تقدم في المفاوضات الخلفية التي كانت تجري منذ ما قبل إعلان هدنة ابريل/نيسان مع المملكة العربية السعودية، وزادت بشكل كبير عقب الهدنة حيث تهدف المملكة التي تقود التحالف ضد منذ 2015م إلى الخروج من الحرب في اليمن وابعادها عن النفوذ الإيراني؛ وهي مقامرة مع غياب أداة قياس لمدى ابتعاد الحوثيين عن داعميهم الإيرانيين. 

تناقش هذه الورقة المفاوضات السعودية مع الحوثيين تحت الوساطة العُمانية وفرص نجاحها في ظل المتغيّرات الجديدة في معسكر الحكومة المعترف بها دولياً التي تدعمها السعودية، ومدى علاقتها بالجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في اليمن. 

 

خلفية حول المشاورات السعودية-الحوثية (2015-2021)

تسبب إخفاق تجديد الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في خذلان اليمنيين، ولاسيما سكان مدينة تعز الذين كانوا يأملون أن ترفع المفاوضات الحصار عنها، إضافة إلى دفع رواتب موظفي القطاع العام في البلاد الذين لم يتسلموا رواتبهم في مناطق الحوثيين منذ سنوات. ويشير "هانس غروندبرغ" مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى استمرار المفاوضات رغم الانتكاسة في عدم التجديد، ولعل رفض الحوثيين تجديد الهدنة برعاية الأمم المتحدة يأتي لفتح طريق أوسع أمام مفاوضات القنوات الخلفية مع السعوديين تحت رعاية عُمانية. 

والمشاورات السعودية مع الحوثيين ليست سابقة، فطوال الحرب كانت هناك قنوات خلفية مفتوحة بين السعوديين والحوثيين كانت تضعف أو تنشط بين أوقات متعددة من تبادل الأسرى إلى التهدئة في الحدود. وسبق أن اتفقا في مفاوضات عرفت "باتفاق ظهران الجنوب" (2016) وهي المفاوضات المباشرة الأولى بين السعوديين والحوثيين على طاولة واحدة، للمرة الأولى، منذ تصاعد نشاط جماعة الحوثيين المتهمة بتلقي الدعم من إيران لإقلاق السعودية، والتي خاضت بين عامي 2004 و2010 ست حروب مع الحكومة اليمنية، شارك الجيش السعودي في الحرب الأخيرة منها (أواخر 2009)، بعمليات ضد الحوثيين؛ وكان اتفاق غير مسبوق للتهدئة على طول الحدود اليمنية السعودية والهدنة في اليمن واستمر ثلاثة أشهر قبل أن ينهار ومعه مفاوضات بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً في الكويت؛ ويرى الحوثيون ذلك الاتفاق أفضل اتفاق انجز منذ بدء عمليات التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضدهم (مارس/آذار2015)[3].

رغم انهيار "اتفاق ظهران الجنوب"، فإن تبادل الرسائل بين الجانبين لم يتوقف و"أبقيا نافذة مفتوحة" للحوار[4]. في عام (2019) أعاد الحوثيون والسعوديون تنشيط تلك النافذة بعد أكثر من عامين على الجمود، عقب هجمات الحوثيين على منشآت النفط في "أبقيق" و"خريص" والتي اُتهمت فيها إيران وتبناها الحوثيون؛ وأدت إلى إطلاق الحوثيين سراح نحو 300 معتقل بينهم ثلاثة سعوديين، وإعلان التحالف وقف الغارات[5]. كانت المفاوضات في ذلك الوقت تشمل أهداف مؤقتة مثل: إعادة فتح مطار صنعاء الدولي، الذي أغلقه التحالف بقيادة السعودية في عام 2016، وفتح ميناء الحديدة أمام واردات الوقود دون عوائق، كما تجري مناقشة منطقة عازلة على طول الحدود اليمنية السعودية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين[6].

في مطلع 2021 قدمت السعودية مبادرة تتضمن: استئناف المفاوضات السياسية بين حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعومة من السعودية والحوثيين برعاية الأمم المتحدة، ويسمح التحالف بدخول الوقود عبر ميناء الحديدة الغربي، وإعادة فتح المطار الرئيسي في صنعاء نحو وجهات محددة"[7]. رفضت جماعة الحوثي المبادرة السعودية التي سعت فيها سلطنة عُمان وطالبت بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة بشكل كامل؛ جاءت مبادرة الرياض في ظل هجوم عسكري واسع على محافظة مأرب الاستراتيجية شرقي البلاد حيث كان يأمل الحوثيون السيطرة عليها، لكن مع نهاية العام ومطلع 2022 تمكنت القوات الحكومية والموالية لها من تأمين المحافظة ومحت معظم مكاسب الحوثيين خلال 2021م، وتسببت تلك المعارك بإنهاك كبير للحوثيين عسكرياً ومالياً وشعبياً. وافق الحوثيون في ابريل/نيسان 2022 على الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة والتي تشمل وقف إطلاق النار وفتح مطار صنعاء نحو وجهات محددة، إضافة إلى السماح بتدفق الوقود إلى ميناء الحديدة، ورفع حصار الحوثيين على مدينة تعز؛ ثم في مرحلة لاحقة يجري مناقشة دفع رواتب موظفي القطاع العام في مناطق الحوثيين. 

 

طبيعة المشاورات الحالية ومدى تقدمها 

تشير التقارير إلى أن الملفات التي جرى مناقشتها هي: منطقة عازلة على الحدود اليمنية-السعودية، دفع مرتبات الموظفين -بما فيها قوات الجيش والأمن- في مناطق الحوثيين، فتح مطار صنعاء أمام وجهات جديدة بعد أن كانت مقتصرة على الأردن، فتح ميناء الحديدة؛ وتجديد الهدنة؛ وإعادة الإعمار.

وبناءً على ما سبق لا يبدو أن المفاوضات تخرج عن الموضوعات في المشاورات السرية منذ 2016 وحتى 2022 لكنها إما تطورت أو بقت على حالها وهي: المنطقة العازلة على الحدود السعودية-اليمنية، ووقف الهجمات العابرة للحدود، ورفع حظر السفر عن مطار صنعاء الدولي، والسماح بتدفق دون آلية المراقبة للأمم المتحدة للسفن الواصلة إلى ميناء الحديدة، وأضيف إليها دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين.

من الواضح أن تحقيق تقدم في المشاورات الحالية ليس مرتبطاً بحلول إنهاء حرب اليمن بل بهدنة  طويلة ووقف الهجمات العابرة للحدود، وتحقيق تقدم في الملفات التي دائماً ما اعتبرها الحوثيون تحقق نزعتهم للانتصار. تتضمن المداولات في هذه المشاورات حول الآتي:

1- وقف إطلاق النار: أن يكون وقف إطلاق النار طويل الأمد، في هدنة تتحول إلى وقف إطلاق نار دائم. يتم تثبيته تحت رعاية وإشراف الأمم المتحدة ولجان من الأمم المتحدة والأطراف. وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة بشكل دائم دون عوائق.

يرى الحوثيون أن تكون اتفاقية ظهران الجنوب واحدة من المرجعيات للحصول على آليات مناسبة. فيما تصر الحكومة اليمنية على أن تكون مخرجات الحوار الوطني (2013) والقرارات الدولية ذات الصلة مرجعية أساسية.

في هذا السياق، كافح الدبلوماسيون لدفع الأطراف المتصارعة إلى التحرك نحو مفاوضات سلام أكثر شمولاً. كان مبعوث الأمم المتحدة الخاص، هانس غروندبرغ يحاول جاهداً تمديد الهدنة منذ انتهائها، رفض الحوثيون في كل مرة زيارته حتى تدخلت وساطة عُمانية سمحت له بالزيارة في يناير/كانون الثاني2023 للمرة الأولى منذ سبتمبر/أيلول2022. في إحاطته لمجلس الأمن من صنعاء أشار المبعوث إلى جهود سعودية وعُمانية لتحقيق تقدم نحو الحل الشامل. 

2- المنطقة العازلة والضمانات حول الأسلحة[8]يدعي الحوثيون أن المفاوض السعودي أثار طلب إقامة منطقة عازلة كانت موجودة في اتفاق الطائف الحدودي بعرض 10 كيلومتر، ويريد الرفع إلى 30 كيلومتر، وطلب ضمانات طويلة المدى حول وضع الأسلحة الثقيلة وبعيدة المدى التي لدى الحوثيين، وفرض قيود قصيرة حول حجم القوات في فترة لاحقة. 

3-   تسليم المرتبات: يتم تسليم المرتبات وفق رواتب 2014م، كان الحوثيون قد وضعوا أن تكون الكشوفات لتسليم المرتبات بما في ذلك القوات التابعة لهم، لكنهم تراجعوا على أن يتم تسليم المرتبات وفقاً للموازنة 2014م. 

4- فتح الطرقات: يجري الحديث عن فتح الطرقات جميعها وفق عدة مراحل، في المرحلة الثانية تقدم ضمانات لفتح الطرقات في الخطوط الأمامية للقتال بعدم الاعتداء!

5- المسار السياسي: يجري النقاش حول حوار وطني بين الأطراف اليمنية -دون تحديد ما هيتها- وتمثيلها تحت رعاية الأمم المتحدة بعد أن يتم الإجراءات أعلاه. ويكون بدون مرجعيات ثلاث، ويحدد الأطراف المرجعيات الحاكم بالاتفاق بينهما، يدفع قرار جديد من مجلس الأمن يدعم هذا المسار ويكون أساساً للمشاورات ما يجعل من القرار (2216) الذي يلزم الحوثيين بتسليم الأسلحة والانسحاب من المدن غير وارد. تعد المبادرة السعودية أن يضمن إشراك الحوثيين في عملية سياسية تنتهي بالانتخابات. ورفض الحوثيون مناقشتها.

6- إعادة الإعمار: أثار الحوثيون والسعوديون إعادة إعمار ما دمرته الحرب، يطالب الحوثيون أن تدفع المملكة والإمارات إلى صناديق الجماعة مبالغ إعادة الإعمار دون إشراف دولي أو محلي. يقول السعوديون إنهم سيدعمون صندوقا في مؤتمر تدعمه السعودية والدول العربية والعالم لإعادة إعمار البلاد مع إشراف دولي ومحلي. 

وطرح السعوديون للحوثيين أن تقوم المملكة بمواءمة تعافي البلاد بعد الحرب مع أهداف التنمية الخاصة برؤية السعودية 2030. إضافة إلى المساعدة في إعادة الإعمار.

7- شكل العلاقة: يثير الحوثيون والسعوديون ملفاً مهماً متعلقاً بشكل العلاقة بعد انتهاء الحرب بينهما، والصفة التي يتصف بها الحوثيون في السياسة اليمنية. وهو أمرٌ مهم بالنسبة للسعوديين حيث أن "محافظة صعدة" معقل الحوثيين تملك حدوداً طويلة مع المملكة. 

إن المفاوضات الخلفية تعزز موقف الحوثيين السياسي. لم يُظهر الحوثيون حتى الحد الأدنى من حسن النية من خلال الموافقة على محادثات مباشرة مع الحكومة اليمنية المعترف بها. وهم مستمرون في منع تصدير النفط، وحرمان البلاد من الإيرادات الحيوية[9]. كما أنهم لا يسمحون حتى الآن للوكالات الإنسانية بالوصول غير المقيد إلى ملايين اليمنيين الذين هم في أمس الحاجة للمساعدة. حيث يعتمد ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان البلاد البالغ عددهم 33 مليون نسمة على المساعدات الإنسانية، بينهم 4.3 مليون نازح داخليًا. إن منح الحوثيين شروطهم السابقة من تسليم المرتبات وفق قوائم يطرحونها، والتراجع عن القرارات الدولية يضع كلمة الحوثيين هي العليا في أي مشاورات قادمة، وهو أمر تخشاه الحكومة المعترف بها دولياً التي صنفت الحوثيين كجماعة إرهابية بعد الهجمات على موانئ النفط. 

حتى السابع من فبراير/ شباط كانت المحادثات مستمرة، يرفض المجلس الانتقالي الجنوبي أن تسلم المرتبات من عائدات النفط والغاز كما كان الأمر في 2014م، وهو أمر مؤثر خاصة بعد أن رفض الحوثيون رفع تهديدات قصف الموانئ النفطية إذا تقدمت ناقلات النفط نحو الموانئ. ولا تبدو الأمم المتحدة متحمسة بالفعل لمشاورات بين السعوديين والحوثيين بشكل مباشر وبعيد عن باقي الأطراف، حيث تعتقد أنه تجزأة للحل وترحيل للحرب لوقت آخر[10].

وتغيّر خطاب الحوثيين خلال فترة المشاورات ولا تزال، توقفت الاتهامات في وسائل الإعلام التابعة للجماعة والموجهة للسعودية بإدارة الحرب وقيادة العمليات ضد الحوثيين، بدت الجماعة أكثر تصالحاً. فيما تم تجميد الخطاب أو مناقشة وضع جماعة الحوثي في وسائل الإعلام التابعة للمملكة فيما يبدو كأنها تهدئة بطلب من الوساطة العُمانية التي تنشط لإحداث تقدم.

يبدو أن السعوديين والأمريكيين تخلوا عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي تم تمريره في بداية الحرب والذي يفرض تسليم الحوثيين أسلحتهم ومغادرة المدن الرئيسية، ما يشير إلى تغيّر في أولويات الحرب إلى إنهائها وخروج المملكة وحلفائها منها، بدلاً من الوصول إلى تقليم أظافر جماعة الحوثي وتحويلها إلى طرف سياسي بدلاً من جماعة مسلحة.

 

 

 

لماذا سلطنة عُمان؟! 

كانت سلطنة عُمان وسيطاً خلفياً للخليجيين والأوروبيين والامريكيين مع جماعة الحوثي المسلحة التي تملك مكتباً في مسقط. ورعت سابقاً مشاورات تحوطها بالكثير من السرية بين السعوديين والحوثيين. 

يعود دور عمان الدبلوماسي في اليمن إلى المراحل الأولى من عملية عاصفة الحزم ففي مايو/أيار 2015، استضافت عُمان محادثات سلام لدبلوماسيين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين.[11] وبصرف النظر عن إيران، فإن عُمان هي الدولة الوحيدة التي تملك علاقة -وربما تأثير محدود- على جماعة الحوثي. حيث اعتبرت القيادة العمانية أن المشاركة البناءة مع الحوثيين أمر بالغ الأهمية لجهودها للنجاح كصانع سلام في اليمن. وعلى مر السنين، تفاوض العمانيون مع الحوثيين للإفراج عن الرعايا الغربيين الذين احتجزوهم ووفروا للمتمردين اليمنيين منصة لإجراء محادثات مع دبلوماسيين أمريكيين في مسقط[12].

عادة ما كانت الوساطة العُمانية تتم كقنوات خلفية منذ بدء عمليات التحالف العربي الذي تقوده السعودية، لكنها بدت بشكل مُعلن للمرة الأولى في يونيو/حزيران 2021 عندما أعلنت عن زيارة وفد لها إلى صنعاء ولقاء زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، من أجل إقناعه بالمبادرة السعودية -كما يبدو-[13]؛ لكن الحوثيين رفضوا معظم الضغوط العُمانية. 

تصمم مسقط على القيام بدور الوساطة في اليمن، وإنهاء الحرب في البلاد، لأن ذلك مرتبط إلى حد كبير بالأمن القومي العماني والمصالح الاقتصادية. يشعر العمانيون بالقلق من أن يمتد ذلك إلى بلدهم. في الوقت نفسه، توفر الأزمة في اليمن أيضًا للسلطنة والسلطان الجديد هيثم بن طارق، فرصة لإظهار مدى قدرة مسقط على أن تكون فاعل إقليمي، والتأكيد على استقلاليتها عن جيرانها الأكثر ثراء وقوة مثل السعودية والإمارات. وهو توازن صعب بالنسبة للعُمانيين حيث تطلب التحديات الاقتصادية للسلطنة في المستقبل القريب حاجتها للمملكة العربية السعودية وبدى التأثير بالفعل مؤخراً في موازنتها. 

ومع ذلك لا ينبغي أن يساء فهم ميل مسقط إلى أسلوب غير بارز وهادئ عند تنفيذ سياستها الخارجية بسبب عدم اهتمام الدولة بالشؤون الجيوسياسية. على العكس من ذلك، تُعد عُمان مراقِبًا شديدًا للتطورات في جوارها المباشر ولاعبًا نشطًا في لعبة القوى الإقليمية لاسيما النزاعين بين السعودية وإيران، الذي يُرجح احتدامهما في عام 2023،[14] ولها تأثير مباشر وغير مباشر على ملفات المحافظات الجنوبية الشرقية القريبة من حدودها. 

 

رؤية الفاعلين للوساطة العُمانية

أولاً، رؤية الفاعلين المحليين للوساطة العُمانية: بالنسبة للحوثيين فإن الدور العُماني مرحب به في اليمن لكنه مع حدود مطالب الجماعة المسلحة وشروطها للتفاوض خاصة أن مسقط فتحت أراضيها لمكتب خاص بالجماعة وعلاج قادة الجماعة الذين يصابون في المعارك[15]. كما ساهمت السلطنة الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي العام الموالي للرئيس السابق علي عبدالله صالح على التصالح بعد مقتل "صالح" في ديسمبر/كانون الأول2017م[16].

 أما الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، خاصة الدبلوماسيين فينظرون إلى عمان على أنها قد تساعد في محادثات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة.، رغم ابداء الحكومة سخطا بشأن وجود مكتب للحوثيين في السلطنة إضافة إلى ما تعتبره تقصيراً عُمانياً في مسألة تهريب الأسلحة للحوثيين. 

وينظر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وهو جماعة انفصالية تسعى لتقسيم اليمن، إلى أجندة عمان بدرجة من الشك؛ حيث يعتبر التزام مسقط بالحفاظ على وحدة أراضي اليمن عاملاً أساسياً في المعادلة. في نهاية المطاف، قد تؤدي بعض التوترات بين المجلس الانتقالي وسلطنة عمان إلى مزيد من التعقيدات في المستقبل.

ثانياً، رؤية الفاعلين الإقليميين للوساطة العُمانية: في عام 2021 بدت المملكة العربية السعودية متحمسة للوساطة وأعلن العُمانيون عن زيارتهم إلى الحوثيين في صنعاء في يونيو/حزيران. وتطابقت وجهات النظر مع زيارة السلطان هيثم بن طارق للمملكة حول مواصلة جهودهما "لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، قائم على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية 2011 ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني الشامل 2013 وقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2216) والمبادرة السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية"[17]. ومنذ ذلك الحين زادت العلاقة العسكرية والاقتصادية بين الدولتين منذ ذلك الحين بشكل طردي، كما تآلفت المصالح المشتركة بين الدولتين. وليس كل شيء ودي بين البلدين فالنظامين الخليجيين يمتلكان وجهات نظر مختلفة حول الوضع في محافظة المهرة الواقعة في أقصى شرق اليمن، فمسقط تملك حساسية من تأثير الاضطرابات اليمنية قبل الوحدة اليمنية 1990 وامتدادها إلى "ظفار" وتملك السعودية قوات عسكرية في المهرة فيما تقول إنه لمكافحة التهريب. 

بالنسبة للإمارات فإن علاقتها بالسلطنة خلال العقد الماضي أقرب للتوتر منها إلى أبسط التوافقات، وتعتبر مسقط النفوذ الإماراتي في المحافظات اليمنية الجنوبية مزعزعاً للأمن القومي العماني على المدى الطويل ولمصالحها. في الواقع، شاركت عمان في عام 2018 في مناورات عسكرية مشتركة مع المملكة المتحدة للإشارة إلى معارضتها لسلوك الإمارات في المهرة[18]. وسبق أن أكدت سلطنة عُمان بشكل رسمي وجود خلافات مع أبوظبي بشأن الحرب في اليمن[19]. لكن على الرغم من وجود توتر بين الرياض ومسقط بشأن وضع المهرة، فإن اهتمام السعودية المتزايد بالاستفادة من دور عمان كميسر لمحادثات السلام أدي إلى اتخاذ الرياض خطوات لتهدئة المخاوف العمانية بشأن شرق اليمن[20].

ويرى الإيرانيون بشكل إيجابي للدور العُماني، عادة ما امتازت علاقة مسقط وطهران بالإيجابية رغم التوتر الناجم عن توسع النفوذ الإيراني في منطقة الخليج. لكنهم يفضلون مشاوراتهم المباشرة مع السعودية بشأن اليمن!

ثالثاً، رؤية الولايات المتحدة للوساطة العُمانية: تلتزم إدارة بايدن، رسميًا على الأقل، بإنهاء الصراع في اليمن وأرسلت الدبلوماسي "تميوثي ليندركينغ" من تحقيق هذا الالتزام. ففي حين أن إدارة ترامب كانت أقل استخدامًا للدبلوماسية العمانية في اليمن لأن الرئيس السابق دونالد ترامب كان أكثر تركيزًا على مساعدة السعوديين في تحقيق أهدافهم عسكريًا، فإن البيت الأبيض في عهد الرئيس جو بايدن يتجه إلى عمان كصانع سلام في اليمن[21]. في عام 2016 عملت مسقط وإدارة أوباما معاً على إعلان مبادرة للحل في اليمن عُرفت ب"مبادرة كيري" وزير الخارجية الأمريكي جون كيري آنذاك[22] رفضتها الحكومة اليمنية.

 

 متغيرات جديدة تؤثر على نتائج المفاوضات السعودية مع الحوثيين 

تحدث المحادثات بين السعودية والحوثيين في سياق اضطرابات ومتغيّرات محلية وإقليمية أدت بالفعل إلى الإسراع في إنجاز هذه المحادثات. نشير إلى أبرزها. 

-الانقسام في المجلس الرئاسي: فهم الحوثيون إزاحة الرئيس عبدربه منصور هادي من منصبه وتشكل مجلس رئاسي جديد علامة مبكرة أن الرياض بدأت في محاولة تقليص خسائرها في اليمن بتشكيل المجلس. وهو أحد الأسباب التي تفسر تشددهم بشأن عدم تنفيذ الطلب الوحيد للحكومة اليمنية بفتح الحصار عن مدينة تعز. 

والهدنة اتفاق بين الحكومة المعترف بها دوليا والتحالف الذي تقوده السعودية من جهة والحوثيين من جهة أخرى. لكن الحرب في اليمن أكثر تعقيدًا بكثير من الصراع ذي الوجهين. كشفت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات على عدن والمحافظات المجاورة أن الكيانات الجديدة أصبحت أكثر تأثيراً على صورة المملكة ونهاية الحرب في اليمن. كان القِتال الأخير العام الماضي بين قوات دفاع شبوة التابعة للمجلس الانتقالي والجيش والأمن اليمنيين أسوأ مرحلة وصلت إليها حالة الخلافات، حيث مارس المجلس الانتقالي الوصاية على المجلس الرئاسي وأعضاءه. أظهرت جولة القتال تلك -في شبوة- مشكلة طويلة الأمد تقول إنها: حتى الاتفاق الدائم بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين لن يكون كافياً لإنهاء العنف في اليمن، ناهيك عن "إعادة توحيد اليمن".

إن التوترات داخل المجلس الرئاسي هي نتيجة شبه حتمية للتناقضات داخل التحالف العربي أي بين السعودية والإمارات وهو أمر تسبب في دفع الرئيس عبدربه منصور هادي إلى التنازل عن صلاحياته لصالح المجلس الرئاسي الذي يقوده رشاد العليمي. وفي شكله الهيكلي يتضح أن المجلس الرئاسي تم تأسيسه لإدارة الخلافات بين الأطراف المتعددة المناهضة للحوثيين وليس حلها. وبقي معظم أعضاء المجلس الرئاسي في الرياض أثناء عودة رئيس المجلس رشاد العليمي نهاية يناير/كانون الثاني إلى العاصمة المؤقتة عدن، ولم يكن برفقته سوى عضو واحد هو عبد الرحمن المحرمي ( أبو زرعة).

برؤية مطالب الحوثيين لتمديد الهدنة فإن الحوثيين يعتقدون أن المجلس الرئاسي مفكك لدرجة أنه لا يستطيع الحفاظ على نفسه من الانقسام.  قد تكون الحكومة معترف بها دوليًا، لكن المجلس الرئاسي لم يحظ حتى الآن بثقة كافية لتأمين تسليم التمويل الذي وعد به داعموه في الإمارات والسعودية والذي أعلن عنه في ابريل/نيسان 2022 مع إعلان المجلس الرئاسي[23].

على غرار الحسابات التي أجرتها الحكومة الأمريكية قبل الانسحاب من أفغانستان، تجد الرياض نفسها الآن بين المطرقة والسندان: حيث كانت مواجهة الحوثيين مكلفة عسكرياً واقتصادياً، ومحفوفة بالمخاطر وسط هجمات الحوثيين بصواريخ وطائرات بدون طيار على البنية التحتية السعودية الحيوية[24]، مما يضر بثقة المستثمرين الحاليين والمحتملين في المملكة مع رؤية اقتصادية طموحة 2030. كما أن سمعتها الدولية تأثرت بالفعل باستمرار الحرب. لذلك تحاول الخروج من الحرب لكن ليس دون تحقيق أهدافها بحماية حدودها، وإيجاد صيغة لعلاقتها مع الحوثيين في المستقبل ومن هنا جاء اهتمامها بالمشاورات، في ظل التشظي في الحكومة المعترف بها دولياً.

 وعلى عكس الولايات المتحدة في أفغانستان، لا تعتبر السعودية نفسها طرفًا متحاربًا أو تصنفها الأمم المتحدة على هذا النحو ولديها بصمة عسكرية ضئيلة في اليمن. وبالتالي، تظل الرياض مرنة في إملاء شروط وتوقيت مشاركتها دون أي اتفاق رسمي مع الحوثيين[25]. 

-توقف المفاوضات السعودية مع إيران: استمر الحوار بين السعودية وإيران، لست جولات صعبة وما قبلها، واُعتبر إرادة جديدة وجدّية لديهما لإغلاق ملفات الخلاف والصراع التي شغلتهما واستنزفت الكثير من جهودهما ومواردهما. وما يشير إلى تحقيق تقدم في هذه المشاورات، هي تصريحات الطرفين وإعطائها المستوى الرسمي حيث تنوي الدولتان رفع التمثيل إلى مستوى وزراء الخارجية في الجولة السادسة من المشاورات، حسب تصريحات وزيري الخارجية السعودية والإيرانية. وعقدت جولة مباحثات أخرى في العاصمة الأردنية عمّان بعد أشهر من التوقف عام 2022م؛ جمعت وزيري خارجية البلدين لكن لم يحدث تقارب أو مشاورات بعدها. 

كانت السعودية قد طلبت من الإيرانيين وقف دعم الحوثيين كبادرة لحسن النوايا، لكن الإيرانيين اشترطوا أن تكون عودة السفارات والعلاقات الدبلوماسية قبل أن توقف طهران دعم الحوثيين أو الضغط عليهم لوقف الحرب والهجمات على المملكة ودول الخليج الأخرى. توقفت النقاشات عند هذه النقطة. 

تجد السعودية نفسها أمام طريق إجباري للتفاوض مع الحوثيين لوقف هجماتهم وتحييد قواتهم أو القوة الإيرانية الكامنة لدى الجماعة لذلك مضت في المفاوضات، الأمر ذاته حصل بعد الهجمات على منشآت النفط السعودية في "أبقيق" في سبتمبر/أيلول2019. 

ولا يعرف ما إذا كان التقارب مع الحوثيين وقبول الحوثيين بالافتراضات المطروحة -وهي مكررة كما أسلفنا- ناتج عن إعادة تواصل بين السعوديين والإيرانيين أم لا؟، لكنه لن يمر دون موافقة ولو جزئية من إيران. 

- توقف مفاوضات الملف النووي الإيراني: قالت الولايات المتحدة إن إيران "قتلت" فرصة العودة إلى الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، و أن "اتفاقاً جديداً" مع طهران لم يعد أولوية لإدارة الرئيس جو بايدن[26]. الأمر ذاته بالنسبة للاتحاد الأوروبي. 

ولسوء الحظ فإن الإدارة الأمريكية وراء هذا التعثر، حيث فسر الحوثيون وداعموهم الإيرانيون سياسات إدارة بايدن - من رفع الحوثيين من قوائم الإرهاب إلى وقف تسليح التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن- ليس على أنها علامة على حسن نية الولايات المتحدة ولكن على أنها علامة ضعف. شجع هذا الفهم الحوثيين على السعي لتحقيق نصر عسكري وزاد من التهديد الذي يشكلونه على السعودية والإمارات واليمن[27]. فيما فسر الإيرانيون تلك السياسات أنه إذعان أمريكي يؤشر إلى تقديم تنازلات مماثلة في العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، وكانت هذه واحدة من أسباب التعنت الإيراني نحو فرض شروط جديدة للعودة إلى الاتفاق.

وعادة ما استخدمت طهران الهجمات العابرة من الحدود عبر اليمن كأداة ضغط على الولايات المتحدة والقوى الأوروبية عندما يتعقد وضع مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني[28]: عندما انسحب دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام2018 شن الحوثي سلسلة هجمات في البحر الأحمر، وتسببت القوارب دون ربان المسيرة المحملة بالقنابل والألغام في إتلاف السفن، كما شن الحوثيون هجمات عنيفة على أرامكو شركة صناعة النفط السعودية بشدة بين 2018-2022، قبل أسابيع من بدء الهدنة. وفي سبتمبر/أيلول 2022 مع تعثر مفاوضات الاتفاق النووي وجهت إيران رسائلها من البحر الأحمر: حيث قامت ميليشيا الحوثي بعرض عسكري كبير في مديرية الدريهمي قرب مضيق باب المندب معلنة عن صواريخ بحرية حديثة إيرانية، في الوقت الذي احتجزت فيه البحرية الإيرانية قاربين مسيرين أمريكيين قرب المضيق، وأفرجت عنهما في وقت لاحق[29].

وفيما تقوم بكل ذلك تؤكد إيران دعمها للحل السياسي في اليمن، وأنها دعمت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة. ويرى النظام في إيران أن التقارب مع السعودية في اليمن أحد الحلول لمواجهة العقوبات التي تستمر الولايات المتحدة في فرضها على إيران وتخفيف حدتها. تغيّرت سياسة إيران خلال العامين الماضيين وفق قناعة جديدة أن المملكة لا تنساق وراء السياسة الأمريكية حتى لو كانت مُضره بمصالحها، كان للرفض السعودي لزيادة الإنتاج في (أوبك بلس) رؤية واضحة ترد على الدعاية الإيرانية التي تتهم السعوديين بأنهم لا يملكون سياسة مستقلة.

-الحاجة السعودية ونظام إقليمي جديد: خلال العامين الماضيين يبدو واضحاً أن المملكة العربية السعودية بدأت في العمل من أجل الحد من التوترات الإقليمية واستعادة التحالفات، وهو تحوّل يتضح بشكل كبير داخل دول مجلس التعاون الخليجية "واتفاق العلا"، والتقارب مع باكستان وتركيا، والمحادثات مع إيران. زاد هذا التقارب عقب الحرب الروسية على أوكرانيا (فبراير/شباط2022) ومخاوف من أن تتحول المنطقة إلى انقسامات بين القوى العظمى والذي يؤثر بشكل كبير على الأمن القومي للمملكة، خاصة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، المجال الحيوي الأكثر تأثيراً على خطوط نقل الطاقة والتجارة مع العالم. 

يأتي ذلك في ظل فشل العودة للاتفاق النووي مع إيران التي تزيد من تخصيب اليورانيوم وتدفع بطائرات مسيّرة انتحارية إلى أوكرانيا، وتصاعد المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى عمل عسكري أمريكي/إسرائيلي ضد الجمهورية الإيرانية. كان الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء دولة قطر، ووزير خارجيتها الأسبق، حذر في يناير/كانون الثاني (2023) من عمل عسكري إسرائيلي/أمريكي محتمل "يهز استقرار منطقة الخليج ويترتب عليه عواقب اقتصادية وسياسية، واجتماعية، خطيرة"[30]. لذلك فإن تحييد الحوثيين في اليمن مهم للغاية لأمنها القومي. 

-قوات درع الوطن: مع وصول رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى عدن نهاية يناير/كانون الثاني أعلن تشكيل قوات "درع الوطن" وتتبع قيادته مباشرة، وهي قوات دربتها وجهزتها ومولتها المملكة العربية السعودية، ولا تتبع وزارة الدفاع اليمنية بل إنها أقرب إلى قوات "الحماية الرئاسية" التي كانت تحت قيادة الرئيس عبدربه منصور هادي وتتبعه مباشرة وجرى إعلانها مع جهوده لإعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن عام (2012) تنفيذاً للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية (2011). يشير تشكيل القوة العسكرية الجديدة تحت إمرِة الرئيس رشاد العلمي إلى حجم الصعوبات التي تواجهها إعادة دمج القوات شبه العسكرية تحت وزارتي الداخلية والدفاع اليمنيتين، حيث يرفض المجلس الانتقالي الجنوبي -الذي يهيمن على لجنة إعادة الهيكلة برئاسة هيثم قاسم (الموالِ للإمارات)- إعادة هيكلة قواته ويحاول التحرك بسرعة للسيطرة على مديريات وادي حضرموت الغنية بالنفط. 

كشف تأسيس السعودية لقوات درع الوطن والتي بدأ فعلياً تأسيسها في منتصف العام الماضي (2022)، عدم قدرتها والحكومة المعترف بها دولياً على احتواء تحديات القوات التي تدين بالولاء لدولة الإمارات العربية المتحدة على الرغم من أن اتفاق الرياض (2019) واتفاق نقل السلطة (ابريل2022) يمنح المملكة بصفتها قائدة التحالف في محافظة عدن القدرة على توجيه هذه القوات شبه العسكرية التي تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي قوة منقسمة داخلياً متعددة الولاءات ولا تحظى بقبول شعبي خاصة في محافظات الشرق، على الرغم من أن المجلس يندفع نحو مشروع الانفصال وبناء دولة مركزية في عدن! لذلك لجأت السعودية لدعم تشكيل قوة جديدة توازن هذا الاختلال ، ورغم الاتهامات للسعودية بأنها شكلت هذه القوة بناء على أيدلوجية سلفية ، إلا أن أغلب القوة هم من أبناء المجتمع والقبائل.

تتكون قوات درع الوطن من 9 آلاف مقاتل على الأقل، قرابة 8 ألوية، ومع عمليات التجنيد المستمرة يعتقد أن ترتفع عدد ألويتها إلى 15 لواء، وتتلقى التدريبات في صحراء حضرموت، وفي المناطق السعودية القريبة من الحدود اليمنية. 

تشكل قوام هذه القوة من عناصر كانوا ضمن قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات العمالقة، وقوات اليمن السعيد (التي برزت للمرة الأولى في نهاية 2021 ومطلع 2022 في المعارك ضد الحوثيين في شبوة ومأرب)؛ كما يتم تجنيد المئات من أبناء القبائل في لحج وشبوة وحضرموت ومناطق أخرى. 

منذ التأسيس يقود بشير المضربي الصبيحي، الذي عيّنه الرئيس رشاد العليمي قائداً لها مع قرار التشكيل- هذه القوة الكبيرة، وهو شخصية سلفية معروفة قاتلت الحوثيين منذ 2015م؛ وقادة الألوية هم[31]: اللواء الأول مجدي الصبيحي يتمركز في لحج؛ اللواء الثاني “توفيق عبود المشولي” في أبين، اللواء الثالث يقوده عبدربه ناصر الرقابي، يتمركز في أبين والبيضاء؛ اللواء الرابع عبدالخالق علي بن علي الكعلولي يتمركز في لحج؛ ويقود اللواء الخامس فهد سالم بامؤمن (أبو عيسى)- يتمركز في حضرموت؛ اللواء السادس محمد أبوبكر الكازمي (أبو حمزة) يتمركز اللواء في أبين وعدن؛ ويقود اللواء السابع العميد علي الشوتري (أبو عبدالرحمن) يتمركز في الضالع؛ ويقود اللواء الثامن أسامة الردفاني، (لم تعهد له منطقة تمركز بَعد).

 بدأت هذه القوة بالفعل بأخذ مكان المجلس الانتقالي الجنوبي، ففي ديسمبر/كانون الأول (2022) تسلمت قوات تابعة ل”درع الوطن” مهام تأمين قاعدة العند الجوية الاستراتيجية، من قوات تابعة للمجلس الانتقالي، ووحدات عسكرية سودانية كانت تتواجد فيها منذ سنوات. كما تسلمت تأمين قصر معاشيق حيث توجد الحكومة اليمنية والمجلس الرئاسي. وهو أمرٌ يثير غضب المسؤولين في المجلس الانتقالي الجنوبي الذين يعتبرونها بديلاً، خاصة أن معظم قواتها من قبائل محافظة لحج والتي دائماً ما كانت مخزناً لمقاتليها. 

تقدم القوة نفسها كقوة أُسست لقتال جماعة الحوثي المسلحة “وجدت للدفاع عن الدين والوطن والاعراض، والتصدي للمشروع الفارسي الذي يستهدف كيان الامة”- كما يشير قائد القوة في خطاب لقواته خلال تخرج قوات جديدة[32]. ويشير قرار تشكيلها إلى أنها تخضع لأوامر الرئيس رشاد العليمي. فهي قوة موجهة للحوثيين وموجهة للمجلس الانتقالي الجنوبي. 

لذلك فإن قوات "درع الوطن" هي مخاطرة إما تدفع لتوحيد القوات الحكومية والقوات التابعة للمجلس الانتقالي وقوات العمالقة وتلك التابعة "للقوات المشتركة" التي يقودها طارق صالح، ما يعني توحيد المجلس الرئاسي والضغط على الحوثيين من أجل اتفاق عادل، أو تكون قوة جديدة منافسة قد تصطدم مع قوات المجلس الانتقالي التي تبدو تخزن العداوة لها منذ وصولها ومنافستها على الانتشار في عدن، والقيام بتدريبات عسكرية بالقرب من معسكراتها فيي عدن في فبراير/شباط (2023).

 

 

النتائج المحتملة ومخاوف الأطراف 

بناءً على ما سبق فإن هناك توقع نتائج محتملة للمحادثات السعودية مع الحوثيين. 

نهاية الحرب من وجهة نظر الحوثيين: يبدو أن التسوية التي يريدها الحوثيون تشبه سلام المنتصر، ويفاوضون على تنفيذ السعوديين والحكومة المعترف بها دولياً رؤية الجماعة لإنهاء الحرب كما جاء في وثيقتهم لعام 2020[33]، حيث تحمل الجماعة المسلحة خصومها -الحكومة المعترف بها دوليًا والتحالف- مسؤولية الحرب ودفع التعويضات وتعافي الاقتصاد وتسليم المرتبات دون أن يدفع الحوثيون أي شيء متعلق بالإيرادات التي يجنوها في مناطق سيطرتهم والتي تصل إلى أكثر من ملياري دولار سنوياً. 

يقدم الحوثيون نفسهم قادة الدولة اليمنية، ويفاوضون باسمها، ويرفضون أن تحديد أو وعود أن يكونوا جزء من السلطة أو مرحلة انتقالية حتى انتخابات شاملة، حيث يعتبرون ذلك شأناً داخلي يخصهم وحدهم دون غيرهم بصفتهم المنتصرين في الحرب.

أصبحت حقيقة التعامل مع احتكار الحوثيين للقوة الغاشمة عقبة أمام تسوية سياسية تفاوضية عادل ولابد من توازن القوى حتى يدفع الحوثيون بأنفسهم نحو مشاورات وطنية. قد يكون احتكار الحوثيين أقل إذا عارضهم تحالف أكثر توحيدًا[34]. لسوء الحظ، الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي لا يشجع خاصة مع قفز المجلس الانتقالي الجنوبي على كل توافق داخله. ويأمل السعوديون أن يحقق وجود "درع الوطن" تأثيرا على تحقيق توازن مع المجلس الانتقالي وتوحيد للقوة لموازنة احتكار الحوثيين.

العودة إلى الحرب أصعب: أكدت المحادثات أن أياً من الطرفين غير قادر على العودة إلى الحرب. يدرك الحوثيون أن العودة للقتال باتجاه محافظة مأرب -كما يهددون- أو عبر الحدود السعودية سيكون مكلفاً للغاية حيث خسروا معظم القوة والعتاد العسكري والمال في تلك المعارك وأن التجنيد باتجاه تلك المناطق أصبح صعباً للغاية؛ كما أن الانقسامات داخل الجماعة أصبحت أكثر وضوحاً من الأعوام السابقة. الأمر ذاته بالنسبة لمجلس القيادة الرئاسي المنقسم على نفسه. لذلك وحتى لو فشلت المحادثات فإن العودة إلى الحرب ستكون منهكة للجميع، وسيستمر الحوثيون في الحالة الحالية من اللاحرب رغم تهديدهم أنهم لا يريدونها. 

لكن فإن الاستقرار غير الدائم الناجم عن هذه الحالة يمنح الحوثيين تجديد مخزوناتهم من الصواريخ الباليستية والطائرات دون طيار. وهو أمر استمر خلال الهدنة التي بدأت في ابريل/نيسان 2022م. سيناريو مثل ذلك الذي تحقق في أعقاب محادثات الكويت عام 2016 - ومنذ سبتمبر / أيلول 2020، يعرض الحوثيون أدوات ردع جديدة، تشمل ألغامًا في البر والبحر، ونظامًا صاروخيًا على الشاطئ، بالإضافة إلى ذلك، قاموا بتوسيع أهدافهم العسكرية[35]. كانت الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط في شبوة وحضرموت التي تهدف لمنع صادرات الحكومة اليمنية من النفط والغاز للضغط على المجلس الرئاسي دفع رواتب قوات الجماعة عامل ضغط كبير ومؤثر. 

الحوار دون الحكومة اليمنية: غالباً ما يؤكد الحوثيون حاجتهم إلى اتفاق مباشر مع السعوديين لتأكيد الهدنة وليس مع الحكومة المعترف بها دوليًا. وهو ما يثير حساسية لدى المسؤولين اليمنيين في الحكومة، الذين يعتبرون ذلك مضر للغاية بصورتهم. 

بالنسبة لمحادثات الحوثيين مع السعودية فقد يحل بالفعل جزء من ملفاتهم ومطالبهم. لكن المشكلة في اعتقاد الحوثيين أن الحل مع السعوديين ينهي وجود خصومهم. وهم بذلك لا ينفون الحاجة إلى حوار مع خصومهم، لكنهم يشترطون أن يأتي ذلك بعد أن توقف السعودية أي دعم لحلفائها اليمنيين العسكري والسياسي والاقتصادي. 

يضع ذلك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في مأزق[36]، حيث يبدو أن الحوثيين يرون في المحادثات مع السعوديين فرصة لتعزيز فكرتهم عن السلام – اتفاق مع السعوديين يقصي جميع الفصائل اليمنية الأخرى – وهو ليس خطة الأمم المتحدة للمحادثات متعددة الأطراف التي تفضي إلى تسوية. هذا أقصى ما تخشاه الحكومة المعترف بها دولياً والأطراف الموالية لها. 

 

 

 

خاتمة:

يمكن أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الحوثيين والسعوديين، بناء على الملفات والوساطة العُمانية، لكنها لن تكون كفيلة بإنهاء الحرب. وفي ظل هذه المحادثات، يقع العبء على الأحزاب السياسية والأطراف الأخرى، وضع خطة تضمن أن أي ترتيب لإدارة الدولة  بشقيها السياسي والعسكري  أو الدخول في مشاورات جديدة مع الحوثيين تنطلق من إنهاء العنف وفرض السيطرة بقوة السلاح والمشاركة في العملية السياسية وفق التنافس الذي كفله الدستور والقانون بعيدا عن السلاح.

 كما أن على المجلس الرئاسي ومن خلفة السعودية الاتفاق على سياسة تخدم اليمن وتوحد الجبهة الداخلية لمعسكر التحالف ليحقق توازن القوة أمام الحوثيين في السلم أو الحرب.

مراجع

[1] The International Rescue Committee, The top 10 crises the world can’t ignore in 2023, 14/12/2022 

https://www.rescue.org/article/top-10-crises-world-cant-ignore-2023

[2] إحاطة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ إلى مجلس الأمن 16/1/2023 https://is.gd/HlChKX

[3] صحيفة المسيرة الناطقة باسم الحوثيين: المسار السياسي خلال العدوان.. من نجاح ظهران الجنوب إلى انطلاق مفاوضات الكويت. نشر في عدد 3/4/2017 وشوهد في 5/2/2023 على الرابط: http://www.almasirahnews.com/18713/

[4] Saudi Arabia, Yemen’s Houthi rebels in indirect peace talks(AP)11/11/2019

https://apnews.com/article/oman-yemen-international-news-iran-saudi-arabia-cb393079f7be48d2951b3ae3f2d4361b

[5]England, Andrew: Riyadh holds talks with Houthis in effort to break Yemen deadlock (FT) 11/10/2019

https://www.ft.com/content/0e924804-ec31-11e9-85f4-d00e5018f061

[6] Saudi Arabia, Yemen’s Houthi rebels in indirect peace talks(AP)11/11/2019

https://apnews.com/article/oman-yemen-international-news-iran-saudi-arabia-cb393079f7be48d2951b3ae3f2d4361b

[7] Saudi Arabia proposes ceasefire plan to Yemen’s Houthi rebels,(Aljazeera) 22/3/2021

https://www.aljazeera.com/news/2021/3/22/saudi-arabia-proposes-nationwide-truce-to-yemens-houthi-rebels

[8] تحدثت مصادر من الحوثيين مطلعين لباحث مركز أبعاد للدراسات والبحوث في 02 ديسمبر/كانون الأول 2022م

[9] Bobby Ghosh, Yemen’s Fragile Truce Needs More than Talks to Survive, 13/1/2023

https://www.bloomberg.com/opinion/articles/2023-01-23/yemen-s-fragile-truce-needs-more-than-talks-to-survive#xj4y7vzkg

[10] تحدث مسؤول في الأمم المتحدة بصنعاء شريطة عدم الكشف عن هويته لـ"مركز أبعاد للأبحاث والدراسات" في 1 فبراير/شباط.

[11] Aboudi, Sami: Yemen's Houthis in talks with U.S.officials in Oman - Yemen government/31/5/2015

https://is.gd/uggzP5

[12]Cafiero, Giorgio: Oman’s Diplomatic Agenda in Yemen/31/6/2021

https://arabcenterdc.org/resource/omans-diplomatic-agenda-in-yemen/

[13] Yemen war: Omani mediation and reduced air strikes increase hope in peace talks(MEE) 11/6/2021 

https://www.middleeasteye.net/news/yemen-war-houthis-government-oman-mediation-sparks-optimism

[14] Leonardo Jacopo :A Stabilizing Factor: Oman’s Quiet Influence amid Mounting Uncertainty in the Gulf/22/12/2022

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/stabilizing-factor-omans-quiet-influence-amid-mounting-uncertainty-gulf

[15]  Wintour, Patrick: Yemen: injured Houthi rebels evacuated, raising hope of peace talks /3/12/2018

https://www.theguardian.com/world/2018/dec/03/yemen-injured-houthi-rebels-to-be-evacuated-raising-hope-of-peace-talks

[16] Oman’s involvement in Yemen comes under scrutiny/18/2/2018

https://thearabweekly.com/omans-involvement-yemen-comes-under-scrutiny

[17] الشنواح، توفيق، الخطوة بين السعودية وعُمان هي خطوة نحو الحل اليمني، اندبندت عربية، نشر في 14/7/2021 وشوهد في 5/2/2022 على الرابط: https://is.gd/btQlPa

[18]Ramani, Samuel: Oman’s rising diplomatic role in Yemen met with mixed reaction in GCC/ 22/4/2019

https://is.gd/uf6ABU

[19] Oman, UAE disagree on war-torn Yemen: Minister/19/2/2019

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/oman-uae-disagree-on-war-torn-yemen-minister/1397225

[20] Cafiero,2021

[21]Kristian Coates Ulrichsen , Giorgio Cafiero: Yemen war: How Oman and the US are finding common ground /4/3/2021

https://www.middleeasteye.net/opinion/yemen-war-how-us-and-oman-are-finding-common-ground

[22] كيري يعلن مبادرة جديدة لليمن سارعت الحكومة الى رفضها (الفرنسية) نشر في 15/11/2016 وشوهد في 5/2/2023 على الرابط: https://is.gd/PQqWKX

[23] Gulf States Newsletter, Yemen’s Houthis thrive as Presidential Council divides 19/12/2022

https://www.gsn-online.com/news-centre/article/yemens-houthis-thrive-presidential-council-divides

[25] Kirchner, 15/8/2022

[27]James Phillips and Nicole Robinson , Time to Hold the Houthis Accountable in Yemen 9/4/2022

https://www.heritage.org/middle-east/report/time-hold-the-houthis-accountable-yemen  

[28] ما الذي يعنيه الموقف السعودي المصري لمواجهة مهددات البحر الأحمر وتأثير ذلك على الحوثيين؟! 20/1/2023

https://www.alsahwa-yemen.net/p-62595

[29] GAMBRELL, JON, Iran briefly seizes 2 US sea drones in Red Sea amid tensions (Associated Press) /3/9/2022 Acc: 18/1/2023

https://apnews.com/article/middle-east-iran-dubai-united-arab-emirates-tehran-a2bcc6f6969da9e61692b07aaefad695

[30] حمد بن جاسم يحذر من عمل عسكري قد يهز منطقة الخليج... "سنكون أول الخاسرين" (سبوتنيك) 15/1/2023 على الرابط: 

https://is.gd/DxVYpL

[31] قوات “درع الوطن”.. حجم القوة اليمنية وقادة ألويتها وقدراتها وعقيدتها القتالية، نشر في 30/ 1/2023 على الرابط:

https://www.yemenmonitor.com/Details/ArtMID/908/ArticleID/85116

[32] قائد قوات درع الوطن: بنادقنا لن توجه إلا لصدور المليشيات الفارسية، نشر في 9/11/2022 

https://www.aden-city.net/news/13320

[33] مقترح وثيقة الحل الشامل لإنهاء الحرب على الجمهورية اليمنية، (سبأ) التابعة للحوثيين.

https://is.gd/X1rDyV

[34] Sam Mundy and Mick Mulroy, Want peace in Yemen? First, restore the balance of power, 6/1/2023

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/want-peace-in-yemen-first-restore-the-balance-of-power/

[35] Beyond Riyadh: Houthi Cross-Border Aerial Warfare 17/1/2023

https://acleddata.com/2023/01/17/beyond-riyadh-houthi-cross-border-aerial-warfare-2015-2022/

[36] How Huthi-Saudi Negotiations Will Make or Break Yemen  29/12/2022 

https://is.gd/OD0Tz1

نشر :