مسارات الحركة الحوثية في اليمن 1- 2*

في عقد من الزمن استطاعت أن تتحول الحركة الحوثية من عصابة مسلحة متمردة على الحكومة اليمنية في جبال مران عام 2004م، إلى قوة عسكرية مسيطرة على الدولة بشرعية الأمر الواقع، وشريكة سياسيا في إدارة الدولة في عام 2014، ومنفردة في السيطرة على مركز الحكم في 2015م.
للحركة الحوثية جذور اجتماعية وتنموية وسياسية وفكرية جعلتها تعود لحكم اليمنيين بعد أن تمددت من جبال صعدة في الشمال حتى سيطرتها على عاصمة الجمهورية اليمنية في 21 سبتمبر 2014، ومع نهاية العام قد تكون لجانها الثورية متحكمة في مفاصل الدولة والسيطرة الكاملة على 7 محافظات هي ( صعدة وحجة وعمران وصنعاء وأمانة العاصمة وذمار وإب ). مطالب الحوثيين التي على ضوئها تأسست الحركة تنامت بشكل متدرج، فقد بدأت بمطالب فئوية لطبقة الهاشميين ثم مناطقية لأبناء صعدة، ثم توسعت لتصبح مطالب سياسية لحكم إقليم يمتد في محافظات صنعاء وعمران والعاصمة وذمار، ويدمج الجوف النفطية في الشرق وحجة الغربية مع ميناء ميدي على البحر، حتى وصلوا إلى حق استعادة دولة الأئمة وربما يحلمون بامبراطورية ليس في اليمن ولكن في المنطقة. 
كان للحوثيين مظالم وحجج مبررة، وخاضت إثرها ست حروب مع الدولة بين 2004 و2010م ، وحين جاءت الثورة الشبابية السلمية استوعبتهم ، في محاولة لتحويل نضالهم المسلح إلى نضال سلمي، لكنهم استغلوا الحالة الانتقالية وضعف الدولة منذ 2011 م للتوسع عسكريا والسيطرة على صعدة وعمران ومناطق في الجوف وحجة وصنعاء بقوة السلاح.
الثورة السلمية نجحت في تمدين جزئي لحركة مجتمعية قبلية ، فيما فشلت في هذا الخيار مع حركة الحوثيين المسلحة، وهذا سبب سقوط المناطق القبلية أمام زحف الحوثيين ، إلى جانب عوامل مختلفة تمثلت في دعم بعض القوى التقليدية النافذة الساخطة من حالة الانتقال بالذات قيادات في المؤتمر الشعبي العام الحاكم سابقا، وعلى راسها الرئيس السابق علي عبد الله صالح ونجله وبعض القيادات العسكرية النافذة، والاستفادة من مخاوف إقليمية تجاه ثورات الربيع العربي ، ما جعل الحوثيون يحصلون على دعم لوجستي كاف لإسقاط النظام الانتقالي في اليمن عسكريا، لكنهم كانوا يتكئون على جذور في تحقيق السيطرة، ومنها:
1- الاجتماعية والتنموية: مثل إهمال الدولة تنمويا للمناطق الشمالية، وتكريس النفوذ في يد جماعات سياسية وقبلية معينة دافعا للحوثيين في انشاء كيان يطالب بمطالب حقوقية مشروعة تتعلق بالمواطنة المتساوية وتوزيع الثروة والاهتمام بأساسيات العيش الخبز والصحة والتعليم.
2- السياسية: للجماعة حلم عودة الأسر الهاشمية لحكم اليمن منذ الثورة التي أخرجتهم في 26 سبتمبر من عام 1962م.
3- الفكرية الأيدلوجية: للجماعة منذ ثورة سبتمبر 62م جناحين أحدهما سياسي يعمل من داخل الدولة ومتغلغل فيها، وآخر يهتم بالجوانب الفكرية من خلال مدارس دينية زيدية، وقد أسسوا الشباب المؤمن كحركة فكرية ثقافية زيدية قبيل 2004، وهو العام الذي تحولت فيه الجماعة إلى حركة مسلحة، وبدأت الارتباط مذهبيا مع إيران وتحت إشراف حزب الله.

إذن كل أجنحة الجماعة تعمل الآن لصالح تمكين الحركة الحوثية من السيطرة على الحكم وتحويل الجمهورية اليمنية لنظام شبيه بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

التمدد في الفراغ وإجهاض الثورة

يعتقد بعض المهتمين بالشأن اليمني، وبعض صانعي القرار السياسي الاقليمي والدولي، أن حالة الحوثيين في اليمن الآن مجرد طفرة ساهمت الثورة الشبابية الشعبية اليمنية ضد نظام علي عبد الله صالح في 2011م في تحويلها إلى ظاهرة، وهناك تحليلات غير دقيقة ترى أن توسعها عسكريا على الأرض لم يكن ليحصل لولا حصول الثورة السلمية.
وصول الحوثيين في اليمن إلى مشارف العاصمة صنعاء الآن، لا يعبر عن تطور مفاجيء لحركتهم الناشئة التي تحتفل هذا العام بعقدها الأول، ولا يمكن لميليشيات مسلحة أن تتحول إلى شبه جيش في عشر سنوات لتسيطر على مقدرات الجيش الوطني بكامل عتاده .

جيش ضد الوطن:
حين قرر الرئيس السابق علي عبد الله صالح عقب حرب صيف94م الإنفراد بالحكم، توجه لإنشاء جيش موازي للجيش اليمني الوطني، من خلال ما يعرف بالحرس الجمهوري الذي كانت مهمته الحفاظ فقط على النظام الجمهوري.
أوكل قيادته لنجله أحمد، الذي سارع بسحب البساط على الجيش الوطني، واحتكرت معسكراته التدريب النوعي والتسلح المتطور والجديد منذ 1997م. 
رغم إحكام قائد الحرس الجمهوري وقتها القبضة على ترسانة السلاح الاستراتيجي للبلاد بالذات الصواريخ بعيدة المدى وحركة الطيران والأجهزة الأمنية والمخابراتية وبعض وحدات الجيش الخاصة، إلا أنه وخلال عقد ونصف لم يصل نظام والده إلى تحقيق هدف إنشاء جيش موازي بشكل متكامل، فاضطر صالح للقيام في 2010م بما يعرف بمصطلح ( تصفير عداد سنوات الحكم) ليضمن استمراره واستكمال بنية الجيش ( العائلي) وانجاح تسليم الحكم لابنه.
في الوقت الذي استثمر نظام صالح الدعم الاقليمي والدولي في تدريب وتسليح وحدات الجيش الجديد، مستفيدا من مخاوف المجتمع الدولي من ( الإرهاب)، قام وقتها باستبعاد كل من يشك أنه سيدعم قيادات عسكرية أو سياسية أو قبلية ترفض توريث الحكم، وهو ما استغله الحوثيون في إحداث ثقب صغير تدفقت من خلاله الأموال والخبرات إليهم، بل تغلغلوا في تلك القوات وبداوا في تنظيم أنفسهم في مجموعات قتالية .
وبمجرد انتهاء آخر انتخابات برلمانية شهدتها البلاد عام 2003من والتي جاءت بأحد أشقاء مؤسس حركة الحوثيين إلى عضويته ضمن الأغلبية المريحة التي سعى حزب صالح لاكتسابها، بدات الحركة الحوثية في التمرد على الدولة.
عشر سنوات على أول حرب شنها الجيش الوطني وبإمكانيات بسيطة على تنظيم الحوثيين المسلح الذي بدأ تمرده في 2004، وقضت الحرب الأولى على نواة هذا التنظيم وقتل مؤسسه حسين بدر الدين الحوثي وقتها. 
لكن في 2005 كان الهم الكبير لصالح هو تحقيق الهدف الاستراتيجي له وهو توريث الحكم، ورأى صالح في استمرار الحرب مع الحوثيين تحقيق ذلك الهدف من خلال التخلص من اتجاهين قد يشكلان عائقا للتوريث، العائق الأول عسكري وهو الجيش الوطني، والعائق الثاني سياسي وهي أحزاب اللقاء المشترك التكتل اليساري القومي الإسلامي المعارض له والمكون من ( الإشتراكي والناصري والإصلاح والحق واتحاد القوى الشعبية ). 
كان يعتقد صالح ان جر كلا من قوات الفرقة أولى مدرع التي يقودها اللواء علي محسن الأحمر، وقوات العمالقة التي يقودها اللواء علي الجايفي كأكبر تشكيلين عسكريين في الجيش، وأيضا حزب الإصلاح في حرب مذهبية مع الحوثيين كاف لخلخلة الجيش والمعارضة والسيطرة على الحكم وتوريثه.
ابتلاع جزء من النظام: 
من خلال قيادات عليا في الدولة تدعم الحوثيين، حصل نوع من التقارب الحذر بين نجل صالح والحوثيين، وتسربت وقتها في 2005 معلومات عن اتفاق غير معلن يتضمن قبول الحوثيين بالعميد احمد علي رئيسا، مقابل إدارة الحوثيين شؤون الدولة من خلال الحكومة.
خاض صالح حربا غير جدية مع الحوثيين، وترك الجيش الوطني يتمزق وينهار وهو يحارب ميليشيات منظمة بأدوات وأسلحة وذخائر بالية وقديمة. 
بعد خمس سنوات فقط كان الحوثيون يقاتلون الجيش السعودي والجيش اليمني بمضادات دروع ورشاشات بنواظير ليلية ومدافع آلية الحركة ودبابات الحرس الجمهوري الحديثة T72 التي سيطروا عليها من معسكرات صعدة بدون قتال، فيما الجيش اليمني كان يقاتل ببضع دبابات قديمة ومهترئة غالبيتها T52 وبجنود متسلحين بذخائر تالفة ، ويطلب منهم الانسحاب مع كل عملية يحكمون فيها الحصار على الحوثيين.
حقق صالح في ست حروب ضد الحوثيين كثيرا من المصالح أهمها إضعاف الجيش الوطني وتقوية الجيش الموازي ( الحرس الجمهوري) وتقوية نفوذ الحوثيين لضرب خصومه السياسيين في الداخل كحزب الاصلاح، وإثارة مخاوف الجوار الخليجي بالذات السعودية لضمان استمرار تدفق الدعم المالي.
لكن صالح لم يدرك أن الحوثيين أكثر خطرا على نظامه، ولهم تأريخ في النكث والانقلاب على الاتفاقات، إلا حين وصلوا في الحرب السادسة 2009م إلى حرف سفيان وبني حشيش على تخوم العاصمة صنعاء، فشعر أن التوافق الحذر لم يساعده على اختراقهم، بل ساعدت الحوثيين على اختراق منظومة نظامه بشكل أكبر.
قبيل عام على قيام الثورة الشبابية الشعبية السلمية، كانت المؤشرات الدولية تقول أن اليمن في طريقها للفشل، وأنها أصبحت تهدد أمن واستقرار المحيط الإقليمي والعالم، لكن ما لم يدركه البعض أن الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام النافذ في الدولة اصبح مخترقا ومتحكما فيه من قبل لوبيات داعمة للحوثيين، حتى أن تقريرا رسميا أعلن عن بعض محتوياته في الصحافة أثناء الحروب مع الحوثيين، قد أطلق على الحزب الحاكم مسمى ( المؤتمر الشيعي العام) في إشارة لتأثير الحوثيين ذو التوجهات الطائفية على قراراته.
قبيل الثورة التي أسقطت بعض من أركان نظام صالح في 2011م ، كان الحوثيون قد ابتلعوا جزء من ذلك النظام خلال العامين السابقين.
أدرك الحوثيون أن الثورة اليمنية التي جاءت ضمن الربيع العربي ستقطع عليهم طريق السيطرة على الدولة، وأنها قد تنسف حلمهم المتنامي في عودة الحكم الإمامي إليهم الذي فقدوه بعد ثورة 26 سبتمبر في 1962م.
يدرك الحوثيون أن نظاما مثل نظام الأئمة الذي حكم الهاشميون من خلاله اليمن لقرون من الزمن يجب إعادته بقوة السلاح، وإن كانوا ظلوا فاعلين في النظام الجديد، لكن لا يجاهرون بعدائهم لمبادئ الجمهورية.
يؤكد زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أن حكم ( آل البيت حق إلهي) كما قال في مناسبة غدير الدينية ، وبذلك اتضحت ملامح الحركة الحوثية كحركة ( عنصرية مسلحة وعنيفة).

سلمية الثورة تعيق استراتيجية السلاح
منذ اندلاع المواجهات بين الحوثيين والدولة في 2004 ، دخلت إيران كداعم لوجستي رئيسي للحوثيين ، وتشكلت استراتيجية ذكية، تقوم على خطط لتفتيت الوضع الاجتماعي واختراقه، وإضعاف معنويات المؤسسة العسكرية والنفاذ إليها، والتوسع التدريجي على الأرض مع كل حرب، وامتلاك العتاد والجنود لتشكيل جيش منظم .
استراتيجية الحوثي في اليمن لا تنفصم عن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة ، لكن الربيع العربي والثورة الشبابية الشعبية السلمية في اليمن أحرجت المشروع المسلح للحوثيين، كما أبطأت من المشروع الاستراتيجي التوسعي لإيران.
ومثل ما كانت تنوي إيران ابتلاع هذه الثورات بالحديث عن أنها "امتدادا للثورة الإسلامية"، كان الحوثيون يأملون في ذهاب البلد إلى صراع مسلح ، ليرهقوا قواه المؤثرة سياسيا واجتماعيا ويفككوا بنية الجيش العسكرية المفككة أصلا ليتمكنوا من السيطرة على البلاد بسهولة.
في 2011 نشبت معارك بين قوات الحرس الجمهوري الموالية لنظام صالح والقبائل في أرحب والحصبة، فعزز الحوثي الطرفين بمقاتلين في محاولة لتوسيع دائرة الاختراق وتوسيع المعارك .
فشل الحوثيون في إطالة أمد الحرب وإرهاق القوى المتحاربة، لكنهم حققوا الاختراق، فالتحق بمعسكرات الحرس المئات من ميليشياتهم، وأصبحوا أكثر تواجدا في حراسة شيخ مشائخ حاشد صادق الأحمر وشقيقه حسين الأحمر، بل تمكنوا من النفاذ إلى أهم القطاعات الاقتصادية لأسرة آل الأحمر، حيث قدر حميد الأحمر عدد الموظفين الهاشميين بالمئات وفي كافة مستويات الإدارة.
ذهبت المكونات السياسية اليمنية الموجودة في السلطة والمعارضة إلى توقيع المبادرة الخليجية في نوفمبر 2011م، والتي تتضمن برنامجا مزمنا لانتقال السلطة سياسيا وسلميا، وكان من الصعب أن تتضمن المبادرة الحوثيين كونهم حركة مسلحة وليست سياسية، وهم رفضوا تسليم السلاح وإعادة صعدة لسيادة الدولة.
وبحسابات الربح والخسارة استراتيجيا ، فإن الحوثيين لم يرثوا الدولة بالسهولة التي راهنوا عليها، وفشل سيناريو سقوطها من أيدي اتجاهات سياسية وعسكرية مرهقة تتدحرج إلى أحضانهم، فشرعوا في تنفيذ سيناريو بديل آخر، وإن انكشفت التحالفات .

السياسة والمجتمع والسلاح

خلق الحوثيون بؤرا أيدلوجية واجتماعية معادية بحروبهم في صعدة، إلا أن إسقاطهم لقبيلة حاشد ومعسكرات عمران، كان بمثابة جرس الإنذار للدولة اليمنية الجديدة، وللجوار الخليجي والراعين الدوليين للانتقال السياسي السلمي للسلطة وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.

استهداف القبيلة:
وفيما غلف صراع الحوثيين مع السلفيين بغلاف مذهبي طائفي كامتداد للصراع بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الإيرانية منذ ثمانينات القرن المنصرم، إلا أن الصراع بين الحوثيين وآل الأحمر كان له وجه تأريخي يمتد لـثلاثة قرون ماضية، فهو هو امتداد لصراع بين هذه الأسرة وقبيلتها حاشد من جهة وبين الأئمة الذين حكموا اليمن من جهة أخرى.
حرصت أسرة آل الأحمر على البقاء منذ قرون في المكان الأقرب والمؤثر للحكم ، وشهدت علاقتها بحكام اليمن كمتتالية تأريخية ، تبدأ بتقارب ومصاهرة مع النظام الصاعد، وتنتهي بعداء وحروب معه أثناء الأفول، وظهور قوة جديدة أخرى قابلة للتحالف معها.
وقد دفعت اسرة آل الأحمر ثمنا باهظا لهذه السياسة، فتهجر أبنائها ودمرت منازلهم، كما تهجر أجدادهم ودمرت منازلهم، لكنهم مع كل مرة يعيدون النظر في تحالفاتهم القبلية، ويعودون لواقع النفوذ بالقرب من الحكم وقيادة حاشد من جديد.
ومما لا يدركه بعض المهتمين بالشأن اليمني أن القبيلة كلما تضعف وتبدأ بالاندماج في بنية الدولة السياسية مع كل مرحلة من مراحل التحول، يكون أي استهداف لها كمنقذ ينفخ فيها الروح فتعود إلى المشهد السياسي من جديد وبشكل مؤثر فيه لا متفاعل فحسب.
ومثل ذلك فإنه كلما تضعف اسرة آل الأحمر يأتي استهدافها ليعيدها إلى واجهة السياسة ممتطية القبيلة، وهو ما جعل القبيلة وآل الأحمر متصدرين للمشهد السياسي خلال الثلاثمائة عام الأخيرة على الأقل.
في الأعوام الأخيرة اتجه الرئيس السابق علي عبد الله صالح لتوجيه ضربات لآل الأحمر، ولأول مرة أسقط مقولة ( هو شيخي وانا رئيسه)، حين أسقط شيخ حاشد الراحل عبد الله بن حسين الأحمر في انتخابات 2003م بعد دعمه لشيخ منافس، وانتهى المطاف بمسرحية تفضل من خلالها عليه بمقعد في البرلمان ورئاسة هيئته، لكن آل الأحمر عرفوا انها بداية مواجهة مع نظام صالح.
بعد ظهور مفاجيء لنجل الشيخ الأحمر ( حميد) كقوة اقتصادية، توجه لدعم المرشح المنافس لصالح في انتخابات 2006 الرئاسية.
انشغال صالح اعلاميا وسياسيا بالخصم الجديد، ساهم في اتساع الفجوة بين صالح وأسرة الأحمر، وجاءت الثورة السلمية المطالبة بإسقاط نظام صالح في 2011م كمخرج لأسرة آل الأحمر فانضمت إليها .
شن صالح حربا شرسة ضد منزل والدهم في الحصبة بالعاصمة صنعاء، بالتوازي مع حربه ضد قبائل أرحب المحيطة بصنعاء، التي عرقلت تحرك بعض آليات قوات الحرس الجمهوري، مبررة ذلك بمنع النظام من ارتكاب مجازر ضد ساحة التغيير التي يتظاهر فيها الشباب.
انضمت القبائل إلى ساحات الثورة تاركة السلاح ورائها، وقتل عدد من أبنائها، وهو ما جعل الكثيرين ممن ينتقدون القبيلة باعتبارها ( قوة تقليدية معيقة للتمدن) ينظرون إليها أنها جزء مهم من التغيير، وبالتالي أعيدت القبيلة وأسرة آل الأحمر إلى الواجهة المؤثرة في المستقبل السياسي.

العنف المزدوج:
فتح الحوثيون جبهات متعددة لقتال القبائل في حاشد والسلفيين في دماج، وهي قوى تقليدية كانت المملكة العربية السعودية تدعمها خلال العقود الماضية.
كانت بعض سيناريوهات تقرير مركز أبعاد للدراسات والبحوث عن حروب الحوثيين الأخيرة ( الثقب الأسود) ديسمبر 2013م تشير إلى أن أي انتصارات للحوثيين على السلفيين في دماج هو توجه لتصفية صعدة من الخصوم السياسيين والفكريين، لكنه سيفقد الحوثيين الورقة الطائفية التي روجوا لها في حروبهم (كاقلية منتهكة الحقوق من قبل اغلبية حاكمة)، والتي دائما ما تنال اهتماما من المجتمع الدولي وبعض الدول الكبرى التي ترى في صعود الأقليات والمشاركة في الحكم أمر مهم لإحداث توازن مع تيار الاسلام السياسي الصاعد من جهة، ومن جهة اخرى تعد الأقليات الأكثر اهتماما بمصالح الخارج الذي تستمد منه الشرعية على مصالح الداخل الذي يعطي الشرعية للأغلبية.
تخلي السعودية عن القبائل كان رسالة واضحة بسبب موقفها من الثورة، لكن التخلي عن السلفيين لم يكن له إجابة إلا إذا جاء في إطار رؤية استراتيجية نابعة من توجه اقليمي ودولي لإغلاق مدارس السلفيين، التي يرى البعض أن مخرجاتها الفكرية تغذي التطرف الجهادي.
وفي المقابل فإن حصول دعم غير مباشر للحوثيين من السعودية لم يكن توجها استراتيجيا، بل ساهم صالح كوسيط في حصوله وفرضته عوامل كثيرة أهمها: التواجد الحوثي على حدودها وارتفاع وتيرة تهريب المخدرات والسلاح، والخوف من تصدير ثورات الربيع، وحالة الخلاف مع أمريكا بشان سوريا، وتطورات الأوضاع في مصر والخوف من الاسلام السياسي، و التقارب الإيراني الأمريكي، وحالة الانتقال المتدرج للحكم في الداخل.
ومع حصول صالح على دعم مباشر من الإمارات لإسقاط الثورة والحكومة الحالية ، ساعد كل ذلك الحوثيين في الحصول على سلاح متطور وشراء الولاءات ومن ثم هزيمة القبائل في صعدة وعمران وصنعاء، كان آخرها قبائل ارحب التي انسحبت من القتال مفضلة عدم القتال كبقية القبائل التي انسحبت من مشهد قتال الحوثي بعد سقوط العاصمة صنعاء .
ورغم أن الحروب الست مع الجيش اليمني حققت للحوثيين الخبرة العسكرية، وعلمتهم فن المناورة في التفاوض، ومكنتهم تلك الحروب من التسلح وتشكيل جيش صغير، إضافة لتحقيق اختراقات، إلا إن الواقع التوسعي للحوثيين في معاركهم بين 2011و 2014 لم يكن معتمدا على إمكانياتهم، بل أضيفت لهم إمكانيات نظام كان في الدولة.
وبعد ان أصبح نظام صالح مخترقا، تمكن نافذون فيه من تقديم دعم لوجستي للحوثيين، مستغلين الأسلحة الحديثة التي نهبت من معسكرات الحرس الجمهوري ومن مخازن القوات الجوية أو من معسكرات كانت تقودها عائلة صالح.
كما أن صالح وبحكم أنه لا زال مرتبطا بالدولة، قد ساهم بشكل مباشر من خلاله شخصيا أو بشكل غير مباشر من خلال نافذين محيطين به، في تقديم المعلومة الاستخباراتية والتدريب والتمويل لبعض جماعات العنف بالذات حركة الحوثيين، كما ساهم في إضعاف الدولة من منطلق أنه يقود المعارضة وليس كشريك في الحكم يمتلك الحزب الذي يرأسه نصف مقاعد الحكومة.
وكما أن هناك معلومات شبه رسمية حول وجود قتلى في صفوف الحوثيين يحملون أرقاما ورتبا عسكرية في بعض المعارك مع القبائل خلال العام المنصرم، إلا أن ظاهرة القيادات القبلية المحسوبة على المؤتمر الشعبي والتي أصبحت قيادات ميدانية عسكرية لحركة الحوثي زادت في الآونة الأخيرة، رغم أن غالبيتهم كانوا محسوبين على ما كان يسمى بالجيش الشعبي الداعم للجيش الوطني اثناء قتال للحوثيين في الحروب الست، وهو ما يكشف جزء من الغموض لانتصارات الحوثيين وسقوط بعض المعسكرات في أيديهم خلال تلك الحروب.
ومع تقدم الحوثيين كان تنظيم القاعدة يتلمس الفرص لينقض على المعسكرات، بل وقد أتيح له قبل سقوط صنعاء الوصول إلى السجن المركزي للعاصمة وإطلاق مساجين تابعين له، كما وصل إلى قيادة وزارة الدفاع والسيطرة عليها ليوم كامل، بذات الطريقة التي تم فيها السيطرة علي معسكرات أبين في 2011، وهو ما يكشف كثيرا من الغموض عن التنسيق غير المباشر بين جماعات العنف المختلفة.

الفشل والغرور:
كانت المبادرة الخليجية صفعة للحوثيين ، فقد تركتهم معلقين لا هم شركاء في الحكم خلال الفترة الانتقالية ولا أيضا حققوا السيطرة على الدولة، لكن نظام صالح وهو يسلم السلطة تركهم يتوسعون في كل محافظة صعدة، ودعموا لشن هجمات على الجوف وحجة، وتسلموا بعض معسكرات الأمن والحرس الجمهوري في صعدة ، في ذات التوقيت الذي تسلمت فيه القاعدة مثيلاتها من المعسكرات في أبين وسط البلاد بدون مقاومة تذكر.
عرقل الحوثيون إجراءات الانتخابات الرئاسية المبكرة في دوائر صعدة الانتخابية في فبراير 2012، والتي جاءت بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وبعد تشكيل الحكومة التوافقية التي حصلوا على مقاعد فيها بشكل غير مباشر من خلال محسوبين قادمين من المؤتمر الشعبي العام وحزب الحق المنضوي تحت تكتل المشترك، بدأ الحوثيون اللعب في مربع التحالفات، فوطدوا علاقتهم مع صالح ، الذي أسهم في ايجاد تقارب ولو مؤقت مع بعض الأطراف الخليجية مستغلين حالة المخاوف من عدوى فيروس الثورات.
ومثلما شجع اليمنيون الحوثيين للانضمام إلى الثورة السلمية وبناء يمن جديد بدون حروب، شجع المجتمع الدولي الحوثيين للانخراط في مؤتمر الحوار الوطني، وضغطوا باتجاه اعطائهم حصة تقارب حصة الاصلاح أكبر أحزاب المعارضة في عهد صالح.
لم يستثمر الحوثيون هذا التشجيع لتحقيق مكاسب سياسية، فلم يتركوا السلاح والتمدد العسكري وينخرطوا في عملية الانتقال السلمي للسلطة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وهو ما فوتهم المشاركة رسميا في حكومة الوفاق، وعدم والمشاركة رسميا في اختتام مؤتمر الحوار الوطني، بعد رفضهم التوقيع على مخرجاته.
استطاع مؤتمر الحوار الوطني أن يخرج بوثيقة تذهب باليمنيين إلى بناء دولة مدنية جديدة من خلال اللامركزية والحكم الفيدرالي، لا تتيح للمشاريع المناطقية والمذهبية والجهوية أن تفرض واقعا غير واقع الدولة.
وأهم ما اشتملت عليه مخرجات الحوار الوطني هو بسط الدولة لسيادتها على كل المناطق، وحل الميليشيات المسلحة وتحريم تشكيلها وسحب السلاح منها، وحصر استخدامه على الدولة فقط.
كما أن مخرجات الحوار الوطني عالجت المشاكل الوطنية الكبيرة وتبعات الصراعات السابقة ووضعت رؤى تمنع تكرارها، وأكدت على المواطنة المتساوية وإنهاء الامتيازات، ورسمت ملامح جمهورية اليمن الاتحادية الجديدة.
وشكل التقسيم الفيدرالي عائقا رئيسيا للحوثيين وغيرهم من الجماعات المسلحة في تحقيق السيطرة الكاملة او الانفصال أو الذهاب لحكم ذاتي لإقليم ما.
فضم صعدة التي يسيطر عليها الحوثيين بعمران وصنعاء وذمار، أغضب الحوثيين، لأنهم يرون أن ضم حجة التي يوجد فيها ميناء ميدي، وضم الجوف التي فيها ثروة نفطية إلى منطقة سيطرتهم صعدة، ستسهل من قيام دولة لهم. 
دفعت الانتصارات العسكرية لجماعة الحوثي إلى التمادي في أعمالها العسكرية، وعززت انتصاراتها على السلفيين في دماج وكتاف في صعدة وقبائل آل الأحمر في حاشد بعمران إلى الشعور بنشوة مبكرة ادت إلى اجتياحهم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م.
خاض الحوثيون وساهموا في حروب متعددة ليس في المحافظات الشمالية، بل حتى في المحافظات الشرقية ( مأرب والجوف ) ومحافظات الوسط (محافظات تعز وإب ) ، حتى وصلوا إلى مداخل الجنوب بالذات في منطقة رداع التابعة لمحافظة البيضاء التي أضحت بؤرة استنزاف للدماء اليمنية تحت مبرر مكافحة الإرهاب.
وكانوا يطمحون للوصول إلى الجنوب بشكل مباشر وغير مباشر من خلال إنشاء تشكيلات مسلحة في الجنوب تحت مبرر دعم الانفصال بقوة السلاح على خلاف الحراك السلمي الجنوبي الذي حقق كثير من مطالب الجنوبيين بالعمل السلمي، في حين يبحثون اليوم عن مبرر آخر لاجتياح الجنوب تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة اليمنية.
لقد أدى تحرك الحوثيين باتجاه افشال الانتقال وحصار الرئيس والانقلاب على الحكم والسيطرة على الدولة والتوجه إلى عدن التي فر إليها هادي وإسقاط معسكرات ومدن الجنوب بالتعاون مع صالح والقوات التي لا زالت تابعة له إلى إثارة المخاوف الإقليمية بالذات دول الخليج من تسليم اليمن لإيران التي لطالما تفاخرت بأن قواتها أضحت في باب المندب وتسيطر على أربع عواصم عربية.
هذه المخاوف كانت وراء تحركات عسكرية لدول الخليج 26 مارس من خلال تحالف دولي لعشر دول ضربت بنية الحركة الحوثية العسكرية في مكان نشأتها صعدة وفي العاصمة صنعاء في توقيت حرج جدا كانت قوة الحركة العسكرية على مشارف عدن جنوبا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• الجزء الأول من دراسة خاصة بمركز ابعاد للدراسات والبحوث محدثة بعد أن نشر بعض منها قبل أشهر بالتعاون مع بعض مراكز البحث الدولية- مجاز إعادة نشرها

 

مسارات الحركة الحوثية في اليمن 2-2 *

حلم السيطرة على الدولة اليمنية
ليس هناك ثمة توقيت أفضل للحوثيين من الآن لإكمال مهمة ابتلاع اليمن، فهذا البلد الذي ينخر الفساد في بنيته يعاني من انقسامات سياسية واجتماعية تكاد تدفع به إلى مهاوي الحرب الأهلية.
ما يشجع الحوثيين على التوسع العسكري ليست العوامل الداخلية فحسب، بل وجدوا في بعض المؤشرات السياسية في الدول المؤثرة إقليميا ودوليا ما تساعدهم للوصول إلى مسارات الحكم في اليمن بدون التخلي عن السلاح او النفوذ المكتسب في صعدة شمال البلاد من الحروب الست مع النظام السابق.
وإن كان الهدف الاستراتيجي للحوثيين هو السيطرة على اليمن وحكمها، إلا ان الأهداف التكتيكية بعد الثورة الشعبية الشبابية التي اندلعت ضد صالح في 2011م هو على الأقل فرض محاصصة في الحكم شبيهة بما حصل مع حزب الله في لبنان دون التخلي عن السلاح، وهو ما سيحقق الهدف الاستراتيجي الذي يتمثل في ابتلاع الدولة من الداخل، والذي بدأ على الأرض بعد اجتياح العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر من العام الجاري 2014م.

تحالفات السقوط :
اجتياح صنعاء لم يكن مفاجئا فلقد بدأ منذ اجتياح معسكرات المنطقتين الشمالية والغربية، وهو ما يعد عمليا سقوط راس الجيش الوطني المرهق من الحروب الست في الشمال مع الحوثي، وفي الجنوب مع القاعدة.
لقد ساهم خلاف الرئيس عبد ربه منصور هادي والرئيس السابق علي عبد الله صالح في تمكين الحوثيين من السيطرة على البلاد، فبعد سقوط دماج وحاشد دخل الحوثيون عمران وأسقطوا لواء 310 العسكري وقتلوا قائده حميد القشيبي ليس بدعم اتباع صالح فحسب، بل كان اشبه بعربون تحالف معهم من قبل الرئيس هادي الذي طمع في سحب البساط من تحت أقدام خصمه علي عبد الله صالح، وإضعاف خصمه المتوقع حزب الإصلاح. 
ولإكمال مهمة استخدام الحوثيين كأداة بالتحالف معهم أصدر الرئيس هادي قرارات مثيرة للجدل وغير قابلة للتنفيذ في وقت تعيش اليمن احتقانا كبيرا، فقد أمر ببدء تطبيق الإصلاحات السعرية ورفع الدعم عن المشتقات النفطية ليصل سعر الجالون 20 لتر من البنزين إلى 5 ألف ريال ، بعد أشهر من انعدام يتوقع انه متعمد للمشتقات النفطية في الأسواق.
وعلى وقع التظاهرات الشعبية المسلحة التي دعا لها الحوثيون داخل العاصمة والمدن الكبرى في البلاد، بالتزامن مع حصار للمعسكرات والعاصمة ، قدم الرئيس هادي تنازلات للحوثيين أهمها إقالة وتعيين مسئولين ومحافظين وقيادات عسكرية وأمنية والتراجع عن قرار إلغاء دعم المشتقات النفطية وإقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، وكلها قرارات وصفت بأنها بداية سقوط الجمهورية لأنها عبارة عن تنازلات ليس مقابل انتصار سياسي للحوثي لتشجيعه على الاندماج في الدولة وحل ميلشياته المسلحة، ولكنها كانت تنازلات تحت إذعان السلاح والقوة.
ساهمت التفاهمات بين الحوثيين وبعض الأطراف الاقليمية التي هدفت لإسقاط الربيع العربي في تحقيق سقوط العاصمة تحت قبضة الحوثيين، كما كان غض طرف المجتمع الدولي وبعض دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية عن خطر التحركات العسكرية للحوثيين حول صنعاء من اهم عوامل نجاح مهمة سقوط الدولة اليمنية، التي كان البعض يعتقد ان حركة الحوثيين حركة اجتماعية قادرة ان تقوم بمهمة تنظيف الدولة اليمنية من النفوذ العائلي والأسري والقبلي والعسكري.
سقطت المبادرة الخليجية عمليا بعد توقيع الاتجاهات السياسية مع الحركة الحوثية لاتفاقية جديدة لنقل السلطة تسمى (اتفاقية الشراكة والسلم) ، وإن كانت المؤسسات الدولية بالذات الأمم المتحدة تعتبرها مكملة للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني .
اصبح الجميع الرئيس والأحزاب والحكومة والمجتمع الإقليمي والدولي تحت واقع جديد فرضته الحركة الحوثية بقوة السلاح ، بل تحركت باتجاه التغلغل في الدولة وابتلاعها من خلال عملية الاحلال والاستبدال والتعيين والتنصيب والاقالة في مختلف مناصب الدولة التنفيذية.
كما ان هذه الحركة تتحرك الآن كبديل عن الدولة، وتقوم بتنفيذ مهامها في مكافحة الإرهاب كما في حروبها برداع ، والحفاظ على الوحدة اليمنية كما في تحركاتها في المحافظات الجنوبية، وضرب المخربين كما في محاولاتها المسلحة في مأرب والجوف ، ومكافحة الفساد كما هو حاصل في سيطرتها على الدولة.
قرارات العقوبات الدولية بتجميد الأموال ومنع السفر ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح والقائد الميداني للحوثيين الذي قاد إسقاط معسكرات عمران أبو علي الحاكم وشقيق قائد جماعة الحوثيين والذي قاد إسقاط العاصمة عبد الخالق الحوثي، تأتي في إطار منع اليمن من الانهيار الكامل ، وهي إجراءات قد تكون لتلافي المسئولية الأخلاقية والقانونية للأمم المتحدة التي أشرفت على الانتقال ، مع شكوك كبيرة في جدواها بعد سقوط العاصمة صنعاء، وربما ستساهم نوعا ما في منع صالح من الانقلاب عسكريا، لكنها لن تغير على الأرض شيء من المعادلة الجديدة التي فرضها الحوثيون إلا ان تتبعها إجراءات عقابية صارمة من بينها تدخلا عسكريا. 
بين رضوخ هادي وطمع صالح في العودة للسلطة وتخبط استراتيجية الإقليم ودعم الخارج، يتمكن الحوثيون كل يوم من التغلغل في الدولة وإعاقة الانتقال السياسي للسلطة، وتساندهم في ذلك قرارات رئاسية تعزز تحركات ما يعرف باللجان الثورية التي تعزل خصومها وتنصب اتباعها في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.

صراعات المستقبل:
على المدى القريب والمتوسط خلق تمدد الحركة الحوثية عبئا إضافيا للدولة إلى جانب عبء الانتقال وتمدين المجتمع ، فبمجرد إسقاط الحوثيين للدولة ومعسكراتها ستصبح الدولة خارج السيطرة وهذا سيشجع جماعات اجتماعية وأيدلوجية وسياسية لامتلاك السلاح والتوسع على الأرض بالقوة .
كما أن انسحاب الأحزاب السياسية من ساحة الصراع مع الحوثيين شكل لهم مشكلة مستقبلية تتمثل في خصومة مع المجتمع وقواه القبلية، بالذات في المناطق التي عانت من مظلومية بسبب تمدد الحركة عسكريا وقتلها أو جرحها أو خطفها لأبناء تلك القبائل، أو تفجير منازلهم ومطاردتهم أو اغتيال مشائخهم.
لم تدرك الحركة الحوثية أن اليمنيين يخلصون للقبيلة أكثر من الأحزاب السياسية، فمهما يختلفون في السياسة، إلا انهم وحين تنعدم الرؤية ويظهر عدو مهدد يعودون إلى بنيتهم الاجتماعية، ومن هناك تعاود القبيلة السيطرة والتأثير والنفوذ !!
فشلت الدولة في مساعدة القبيلة في تمدينها من خلال أدوات سياسية سلمية، بل بعد ان ذهبت لخيارات الثورة السلمية تركت الدولة القبيلة مكشوفة أمام جماعات العنف المسلح.
القبيلة في شمال الشمال لم تكن محتاجة سوى خطوة واحدة لاكمال تمدينها ليتم بناء نظام ديمقراطي ودولة مدنية، فالحالة الحزبية اخترقتها بشكل كبير وظهر ذلك جليا في قبولها بالتغيير السلمي في 2011م.
كانت القبيلة تحتاج عناية خاصة من خلال التعليم والتنمية الاقتصادية والحكم اللامركزي 
القبيلة اليمنية برجماتية في شمال الشمال، ومزيج من البرجماتية والأيدلوجيا في الشرق، وايدلوجية مع بعض البرجماتية في الجنوب، وبالتالي فهي لا تشبه مثيلاتها في باكستان وأفغانستان التي ربما تسيطر عليها الأيدلوجيا.
حالة القبيلة في اليمن أيضا لا تتشابه مع حالة العشائر في العراق التي تخندقت في الطائفية بحثا عن منافذ قوة فزادت ضعفا وتمزقا إلى جانب الضعف الذي احدثها نظام البعث فيها من خلال دمجها بهوية وطنية دون تأمينها بنظام تشاركي يحافظ عليها أو نظام ديمقراطي يصون حقوق افرادها كمواطنين.
في اليمن الانزلاق في صدام مع المجتمع القبلي يحسم المعركة لصالح هذا المجتمع،
وبالتالي فإن القبيلة لن تدعم من يستخدم معها أسلوب الاذلال، لأن تأريخها يقول أن عدوها الأول من يهمشها ، وأكثر أعدائها من يحاول استنساخها أو تقسيمها، وبالتالي فقد وضعت الحركة الحوثية مستقبل صراعها مع القبيلة ضمن رهان خاسر .
فالقبيلة ركبت على ظهر الثورة السلمية لإسقاط صالح الذي شعرت بتهميش من قبله مع بروز التأسيس لمشروع النظام العائلي الموازي للدولة.
والقبيلة ركبت ظهر الحوثيين لإسقاط دولة هادي بعد ان تعامل معها بلا اعتبار وظهر جليا في عدم تمثيلها في منظومة الحوار الوطني، وستركب ظهر اي جهة لتدخل صنعاء وتطيح بدولة الحوثي! 
ولذا تسعى الحركة الحوثية في السيطرة على منافذ القوة في المجتمع والدولة، وهو ما دفعها لاستهداف آل الأحمر محور ارتكاز حاشد وقبائل مارب والجوف وارحب محور ارتكاز بكيل التي هي الجناح الثاني للخارطة القبلية في اليمن.
أما على المستوى الأيدلوجي فقد دخلت في حرب استنزاف مع تنظيمات جهادية مثل القاعدة وأنصار الشريعة، والخطر هنا أن حالات الانتقام التي تنبع من الجروح والندوب التي تتركها هجمات الحوثيين على القبائل تحولت إلى حاضن اجتماعي لجماعات عنف جهادية في الاتجاه النقيض.
وحتى تظهر الحركة الحوثية بعض التعاطف اضطرت للتعاون مع الأمريكيين في مهمة مكافحة الإرهاب، رغم أن شعارها الموت لأمريكا لا زال مرفوعا في مراكزها، ولا زالت فعالياتها ضد الطائرات بدون طيار حاضرة في أذهان اليمنيين.
ولأول مرة يشارك المارينز الأمريكي على الأرض منذ بدء برنامج مكافحة الإرهاب عبر طائرات بدون طيار أثناء محاولته إنقاذ الصحفي الأمريكي ( لوك سومر) ورفيق له من جنوب أفريقيا، وهذه المشاركة تمت بالتأكيد بالتنسيق مع الحوثيين أصحاب السلطة على الأرض ، ولكنها مهمة فشلت وأدت إلى مقتل الصحفي ورفيقه .
الشعور بخطورة قيام الحوثيين بمهمة الدولة في مكافحة الإرهاب بعد هذه العملية الفاشلة دفعت بالسفير الأمريكي في صنعاء ماثيو تولر ومستشار الرئيس اليمني عبد الكريم الارياني إلى توجيه انتقادات حادة لأول مرة ضد الحوثيين.
كما أن كشف الإيرانيين عن عملية نوعية للافراج عن دبلوماسي إيراني من يد القاعدة بعد يوم من اعلان تحرير القنصل السعودي المعتقل منذ 2013 دون الكشف عن كيفية غدارة العملية، سيعاظم المخاوف من مستقبل مشروع مكافحة الإرهاب الذي إذا تحول إلى أداة في إطار صراع بين قوى طائفية إقليمية سيؤدي إلى فشله وربما تزايد خطر العنف.

استراتيجيات السيطرة:
الهدف الاستراتيجي للحوثيين قد يكون جزء من استراتيجية التوسع الإيراني في المنطقة ، لكن إذا ما افترضنا أن الحوثييين مشروع قائم بذاته فإن أهم أهدافهم سيكون إنشاء كيان وحكم يتمدد في مناطق النفط وفي مواقع ذات أهمية جيوسياسية للعالم.
لكن ما يحكم سقف تحديد الهدف الاستراتيجي من بين مجموعة أهداف احتياطية هو مدى تحقيق الحوثيين للأهداف المرحلية التكتيكية، ومدى ملائمة الوضع السياسي والإقليمي والدولي ، ووضع إيران المستقبلي، ونوعية الخصم الذي سيعرقل تحقيق ذلك، خاصة بعد انسحاب الإصلاح من أي مواجهات عسكرية ضد الحوثيين تجنبا لاندلاع حرب أهلية ، وأيضا كونه قوة سياسية ستسقط حتما أمام قوة مسلحة إذا ما دخل الحزب مربع المواجهات المسلحة.
لقد تقلصت السيناريوهات بتوسع السيطرة الحوثية من مجرد السيطرة على محافظة صعدة فقط لقيام حكم ذاتي ، إلى احتمالية السيطرة على سبع محافظات أو ربما الجمهورية بكلها خاصة إذا ما نجح التغلغل في الدولة لأن ذلك سيؤدي للسيطرة على الحكم في اليمن والتمدد مستقبلا إلى جنوب وشرق السعودية، أو يكتفون بالسيطرة على الدولة اليمنية لتكون مهددا دائما للجوار الخليجي، وعامل توازن جديد في المنطقة.
لتحقيق الهدف الاستراتيجي يتجه الحوثيون لتحقيق أهداف مرحلية تكتيكية أهمها:
1- التدرج في اسقاط الدولة بشقيها العسكري والمدني.
2- اختراق المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والتأثير في أدائها. 
3- القضاء على أي عامل ساعد الثورات السابقة ضد الأئمة أو ضد نظام صالح ، سواء عامل اجتماعي كالقبيلة أو سياسي كالأحزاب.
4- إثارة الفوضى وخلق صراعات مناطقية وطائفية.
5- فرض واقع سياسي جديد من خلال التمدد العسكري.
6- اختراق جماعات العنف واستغلال اندفاعها في القيام بعمليات ضد خصوم أقوياء أو اسقاط مناطق حساسة.
7- القضاء على الخصوم السياسيين والمذهبيين في مناطق السيطرة وإضعاف تاثيرهم في الدولة.
8- تحييد الدول المؤثرة إقليميا ودوليا، من خلال تقديم خدمات تتلائم مع سياساتها.
9- إضعاف المملكة العربية السعودية أو إرباكها أو إشغالها بمواجهات مع خصوم آخرين. 
10- تهيئة اليمن لتواجد إيراني قوي في مضيق باب المندب، وبعض القطاعات المؤثرة داخليا واقليميا ودوليا.

التداخل الإقليمي والدولي:
بدون عوامل داخلية وخارجية لا يمكن للحوثيين تحقيق أهدافهم المرحلية أو الاستراتيجية، وترتكز حركة الحوثيين على بعض عوامل القوة في الداخل وهي:
1- الاختراقات التي سببتها الحروب الست السابقة:
2- الانقسام الذي أحدثته ثورة 2011م في المؤسستين العسكرية والسياسية:
3- الدعم اللوجستي والمعلوماتي للنظام السابق وبعض قيادات الدولة:
4- استغلال حالة البلد التي مرت بانتقال سلمي للسلطة وفرض أمر واقع عسكري :
5- النفوذ الكبير للأسر الهاشمية في مؤسسات الدولة:
6- استغلال عمليات استهداف الدولة من جماعات العنف المسلحة الأخرى.
7- استغلال منظومة الحرب على الإرهاب ومسئولية مكافحة الفساد ومحاربة التخريب.
8- حالة العجز الحكومي والوضع الاقتصادي والأمني المتدهور.
9- التشويه الإعلامي للتغيير والمبادرة الخليجية وحكومة الوفاق.
10- التحالفات الجديدة والقديمة مع نظام هادي وقوى النظام السابق وبعض قوى الحراك الجنوبي المسلح.

أما العوامل الإقليمية والدولية التي يجد الحوثيون أنها شكلت عوامل مساعدة لهم:
1- المخاوف الخليجية والأمريكية من الربيع العربي وتداعياته على مصالحهم.
2- التفاوض الغربي الإيراني ، والتشجيع الأمريكي لتوقيع اتفاقية البرنامج النووي.
3- الخلاف الروسي الأمريكي والروسي الأوربي.
4- تطورات عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
5- الخلاف السعودي الأمريكي بشأن سوريا.
6- التوجه الاقليمي والدولي لإفشال الاسلام السياسي الصاعد أو إعاقته من تحقيقه نجاحات في الحكم. 
7- الاستفادة من الاستراتيجية الغربية الداعمة للأقليات لإحداث توازن سياسي مع الاسلاميين.
8- انشغال الدول الكبرى بما جرى ويجري في مصر وسوريا.
9- الحرب الدولية على الإرهاب واستغلال عدم تجريم الغرب لجماعات العنف الشيعية.
10- استفادة الغرب منهم كعامل ضغط على الجوار الخليجي لتحقيق مصالح واستمرار تدفق النفط.
11- محاولة واشنطن احتوائهم لإحداث قطيعة بينهم وبين إيران وأذرعها العسكرية مثل حزب الله.

مستقبل الحركة الحوثية
إذا أردنا فهم مستقبل الحركة الحوثية ونقاط ارتكازها والفرص والمهددات لها ، فعلينا تقديم توصيف واقعي لها .
فهذه الحركة الفتية التي يقودها حاليا الشاب الثلاثيني عبد الملك شقيق مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي والذي قتل في أول جولة حرب بين نظام صالح وبينها قبل أن تخوض الحركة خمس جولات أخرى حتى مجيء ثورة الشباب في 2011 وسقوط صالح.
وحركة مثل هذه الحركة تتحالف وتقاتل وتحكم وتسيطر وتتحاور، هي حركة مزدوجة ومقولبة تكسب بسرعة فائقة وتغير تموضعاتها بسرعة أكبر، وتعتمد كثيرا على المبادرة لملء الفراغات.
بالنظر لتأريخ الحروب والعنف ومعطيات واقع الشعوب التي تبحث عن الديمقراطية، ومستقبل المدنية والحرية في العالم، فإنه لا يمكن تصوير حركة الحوثيين التي ترى في أن الحكم حق إلهي لنوع من البشر، وأن السلاح الوسيلة الوحيدة لفرض الفكر والحكم ، إلا أنها ليست سوى واحدة من حركات العنف المتخلفة.
ويشير ذلك إلى أن هذه الحركة تحمل بذور الفناء داخلها، ولذا فلا مستقبل لها، ولكن الخوف قادم من أن تكون الحركة الحوثية مجرد ذراع مسلح لفرض واقع جديد من طرف أو أطراف إقليمية ودولية.
ولذا فإن من أهم سمات الحركة الحوثية انها :
1- حركة فكرية مذهبية تستخدم الأيدلوجيا والتأريخ والجغرافيا.
2- حركة مسلحة عنيفة تتمدد في الفراغات وفي ظل الفوضى.
3- حركة عنصرية اقصائية تعتمد على التمايز الطبقي في المجتمع.
4- حركة تستمد بعض رؤاها من نفوذ بعض الاتجاهات الخارجية التي لديها صراعات إقليمية ودولية.
5- حركة تستمد قوتها من التحالفات الصغيرة المجتمعية والسياسية والدينية.
6- حركة مزدوجة المرجعيات، فمرجعيتها المحلية ( دينيا) عبد الملك الحوثي، ومرجعيتها إقليميا ( عسكريا) حزب الله ومرجعيتها دوليا ( سياسيا) إيران .
7- تغامر الحركة في تلقي الدعم والتمويل من جهات محلية او إقليمية أو دولية متناقضة المصالح.
8- تلعب في تحالفاتها على التكتيك وتغير وتبدل تحالفاتها بمجرد تغير خطتها.
9- تكسب سريعا وتتوسع عسكريا وفكريا واقتصاديا في المناطق التي تسيطر عليها بسرعة.
10- تستغل ضعف وغياب الدولة في توسعاتها وتحتوي الشخصيات المؤثرة والتنظيمات الفوضوية والعصابات المسلحة والساخطين من أبناء التيارات السياسية والقبلية.
11- تخترق الدولة وتفرض وجودها في نظامها وتمهد لابتلاعها.
12- تقبل أن تكون أداة سياسية وعسكرية وأيدلوجية لجهات محلية وإقليمية ودولية من أجل أن تحقق استراتيجيتها.

وبالتالي فإنه ومن من خلال قراءة الواقع الجديد للحركة الحوثية فإن مساراتها باتجاه الحكم تخضع لثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول ( الحكم انفراديا): 
تحقيق الحوثيين لحلمهم والاستفادة من كل العوامل المحلية والإقليمية والدولية المساعدة في السيطرة على الحكم وإنشاء دولة أو دويلة او حكم ذاتي أو الحصول على محاصصة في الحكم مع الاحتفاظ بالسلاح ومناطق السيطرة أو ابتلاع الدولة وبدء توسيع النفوذ خارج حدود اليمن وفي الجوار الإقليمي، وهذا السيناريو سيكون ضمن سيناريو فوضوي في اليمن والمنطقة.

السيناريو الثاني ( الحكم تشاركيا):
نجاح الداخل والخارج في إجبار الحوثيين التخلي عن العنف والسلاح والتحول لحزب والاندماج سياسيا والذهاب لانتخابات قد تؤدي إما إلى سيطرة سياسية كاملة بالذات في محافظات شمال الشمال ( صعدة وعمران وحجة) ، أو على الأقل وجودهم في أي شراكة سياسية لحكم البلد مستقبلا، مرتكنين لحالة الانتصارات العسكرية التي حققوها. 
السيناريو الثالث ( السقوط) : 
حصول متغيرات محلية كمقاومة شعبية مع تحركات إقليمية لمنع دعم الانتقال ماليا واقتصاديا مع تحركات ودولية أممية لفرض عقوبات، في ظل استمرار الحركة في نشاطها المسلح وعدم التحول لحزب سياسي والاحتفاظ بالأدوات العسكرية ، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى صدام مع الداخل والاقليم والخارج قد تنتهي بسقوط الحوثيين.

ـــــــ
• الجزء الثاني من دراسة خاصة بمركز ابعاد للدراسات والبحوث محدثة بعد أن نشر بعض منها قبل أشهر بالتعاون مع بعض مراكز البحث الدولية- مجاز إعادة نشرها