قال تقرير لمركز ابعاد للدراسات والبحوث ان عام 2014 كان عام الحصاد المر لفشل الانتقال السياسي للسلطة، وسقوط الخيارات السلمية تحت اقدام الميليشيات والجماعات المسلحة، ووصفه ” بالعام الأكثر سوء في تاريخ اليمنيين وصراعاتهم وعام نزيف الدم اليمني، وعام سقوط الدولة وسيطرة العنف والسلاح”
أورد تقرير ابعاد إحصائية لقتلى 2014 وقال ” اكثر من 7 ألف يمني لقوا مصرعهم هذا العام أي حوالي ثلاثة اضعاف قتلى عام 2011م، حين خرج الشباب في ثورة سلمية ضد نظام علي عبد الله صالح”.
وأكد أن المؤسسة العسكرية خسرت لوحدها هذا العام أكثر من ألف شهيد من أبنائها، وان حوالي 600 منهم قتلوا على يد الحوثيين اثناء مهاجمتهم للمعسكرات وإسقاط المحافظات، فيما قتل حوالي 400 على يد القاعدة وجماعات مسلحة غالبيتهم في عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات مباغتة للمعسكرات والنقاط العسكرية”.
وعن الضحايا المدنيين أشار إلى مقتل حوالي ألف ومائتين شخص هذا العام غالبيتهم في اعمال جماعات العنف المسلحة منذ اختتام مؤتمر الحوار الوطني في 25 يناير من العام الماضي.
تطرق إلى خسائر تنظيم القاعدة والتي قال تصل ما بين ( 400 – 500 ) قتيل من افراده، قتل منهم حوالي 106 في 26 غارة جوية للطائرات الأمريكية بدون طيار (الدورونز)، والتي راح ضحية تلك الطلعات 6 مدنيين بينهم ثلاثة أطفال.
وحول خسائر الحوثيين قال ” لا توجد معلومات دقيقة عن ضحايا جماعات الحوثي وتقديرات رصد مركز أبعاد تقول ان حوالي خمسة آلاف مسلح منهم قتلوا في حروبه، من بينهم الفي قتيل في محافظات مارب والجوف وعمران ومثلهم في العاصمة صنعاء ومدن أخرى مثل الحديدة وإب، وحوالي ألف قتيل سقطوا في حروب رداع بالبيضاء”.
وتوقع التقرير أن تكرر هذه المسيرة هجماتها على المناطق الشرقية النفطية للسيطرة على مارب والجوف تحت لافتة حماية منشئات الدولة ومعسكراتها وملاحقة المخربين والإرهابيين، ويتوقع استخدام جيش الدولة وطائراتها هذه المرة لمهاجمة هذه المناطق التي انكسروا في ثلاث حروب مع قبائلها منذ 2011م.

سقوط الدولة:
قال التقرير أن العسكريين يشعرون بإهانة نتيجة سيطرة الحوثيينن وأن الحوثيين تحصلوا على أسلحة نوعية من اقتحامهم لقيادة المنطقة السادسة ( الفرقة أولى مدرع سابقا ) والمعسكرات التابعة لها مثل اللواء 310 في عمران، ومن القيادة المركزية لوزارة الدفاع وهيئة الأركان.
وأضاف ” لقد أصبح في يد الحوثيين منذ بدء إسقاطهم لمعسكرات الدولة في هذا العام أكثر من 120 دبابة من نوع ( T55-T62)، وحوالي 70 مدرعة ( BTR – BMB) .20 مدفع ( شيلكا وهاوتزر ذاتي الحركة) وحوالي 10 عربات ( كاتيوشا) ، وما يقارب من 100 صاروخ ( بين حراري مضاد للطيران وغراد بر- بر)، وأكثر من 100 مدرعة تحمل رشاشات ثقيلة ومتوسطة، إلى جانب مئات الأطقم العسكرية وعشرات المخازن للذخيرة الحية .
وأكد أن احتمالية حصولهم على شحنات صواريخ إيرانية نوعية إلى جانب شحنات سفينة جيهان التي كانت محتجزة فإنهم يمتلكون حوالي 70 % من قدرات الجيش اليمني، فيما هم يحاصرون معسكرات أخرى فيها أسلحة نوعية واستراتيجية مثل الصواريخ بعيدة المدى، ويتحكمون بالمطارات العسكرية بالطيارات الموجودة فيها.

انهيار الجيش الوطني :
قال التقرير ” لم يعد هناك جيشا وطنيا بعد 21 سبتمبر من العام 2014، وكل ألويته في المناطق الشمالية والغربية والتي كانت مرهقة في صراعاتها السابقة مع الحوثيين فيما عرف بالحروب الست سقطت في يد الحوثيين بعد اجتياحهم لقيادة الدفاع المركزية في العاصمة صنعاء مؤخرا، وإن كانت هناك وحدات في الشمال لم يتم السيطرة عليها لكنها محاصرة وممنوعة من التحرك”.
وأضاف” هناك وحدات في بعض المناطق الوسطى وصل الحوثيون إليها وهي ضعيفة تسيطر على تحركاتها وحدات ما يعرف بالحرس الجمهوري سابقا، وهناك وحدات في المناطق الشرقية والجنوبية بعيدة عن تحكم الحوثيين، لكنها تتعرض للاستنزاف وقد تنهار جراء الهجمات المستمرة عليها من القاعدة وبعض المحسوبين على الحراك الجنوبي المسلح وبعض المسلحين القبليين”.

الجيش الموازي وتعدد الولاءات:
عن الحرس الجمهوري الذي أنشاه الرئيس السابق علي عبد الله صالح منتصف التسعينيات كجيش موازي للجيش الوطني قال التقرير ” له عشرات الألوية في مختلف محافظات الجمهورية أهمها المعسكرات المحيطة بصنعاء، وقد تم هيكلة هذه الوحدات وتدريبها وتسليحها وفق خطط أشرف عليها ضباط عرب وغربيون محترفون، ولم تدخل هذه الوحدات في استنزاف وحروب، وشاركت فقط بشكل بسيط في الحرب السادسة أثناء تقدم الحوثيين إلى منطقة بني حشيش في صنعاء والمحيطة بالعاصمة”
وجاء في التقرير ” لكن الحرب التي خاضتها ضد القبائل الداعمة للثورة الشبابية في 2011م في مناطق متعددة أهمها أرحب والحصبة، ولد لدى قادة هذه الوحدات حالة من الانتقام والعداء، ولذا ظلت معارضة للانتقال وعرقل بعض قادتها مشروع الهيكلة، لكن ذلك لم يكن السبب الرئيسي لدعم الحوثيين للانتقام من ثورة الشباب “.
وأضاف ” طريقة تعامل الرئيس هادي مع هذه القوات باعتبارها ملكا للرئيس السابق أضرت كثيرا بقدرات هذه الوحدات، حيث عمد على تفكيك بعض وحداتها، وتهميش بعض قادتها، وسحب امتيازات مالية كثيرة كان قائد هذه الوحدات نجل الرئيس السابق العميد احمد علي عبد الله صالح يغدق بها عليهم”.
وقال ” تظل وحدات ما كان يعرف بالحرس الجمهوري هي الوحدات العسكرية التي لم تتعرض للانهيار، لكن الإستقطابات فيها اثرت على عقيدتها، فأصبحت متعددة الولاءات بعد اختراق واضح لها من قبل الحوثيين” مؤكدا ” رغم أن ترك قيادات موالية لصالح في الجيش لجنود من هذه الوحدات تدعم الحوثيين لإسقاط نظام هادي املا بعودة صالح ونجله، إلا ان بعض المحسوبين على هذه الوحدات أصبحوا أكثر ولاء للحوثي من صالح”.
وقال ” كما ان الرئيس هادي خلق ولاءات شخصية له داخل بعض هذه الوحدات، فأصبحت أكثر تشتتا وبعدا عن العقيدة الوطنية للجيش اليمني وتتنازعها استقطابات الحوثيين وهادي وصالح”.

الرئيس هادي وفشل الانتقال:
وأكد التقرير فشل الرئيس هادي في قيادة الانتقال السلمي رغم التضامن والدعم غير المحدود الذي قدمه له الشعب اليمني والمجتمع الإقليمي والدولي ، وأن ذلك يعود إلى ضعف شخصية الرئيس وتردده في اتخاذ القرارات، وعدم امتلاكه لرؤية وطنية أو خبرة اجتماعية خاصة بما يتعلق بالمجتمع القبلي الذي تعمد تهميشه مع بدايات حكمه وعدم تمثيله في مؤتمر الحوار الوطني، وانشغاله بصراعات واستقطابات مع الرئيس السابق داخل منظومة الحزب والدولة خلقت بيئة حاضنة لتحالفات سياسية واجتماعية وضعت يدها مع يد الجماعات المسلحة لإسقاط ما تبقى من رمزية الدولة.
وقال تقرير أبعاد ” من أهم الأسباب التي سرعت بسيطرة الميليشيات المسلحة على الدولة هو الفشل الاقتصادي في تحقيق أدنى متطلبات الحياة للمواطنين اليمنيين، وتراجع خدمات الكهرباء والماء والصحة والتعليم، وضعف المنظومة الأمنية والعسكرية أمام توسع الصراعات وانتشار الفوضى.
اما عن فقدان الشارع الثقة في الرئيس هادي فقال ” كانت بعض قراراته متناقضة وتقدم تبريرات لإسقاط المسلحين للدولة، فبينما كان يطلب دعما شعبيا ويخرج مئات الآلاف في مظاهرات مؤيدة له، يصدر قرارات تزيد من المتحالفين ضد الدولة، وحين كان اليمنيون يعانون من ظروف اقتصادية سيئة، تنعدم المشتقات النفطية من الأسواق لأشهر، دون اتخاذ إجراءات ، ولكن يتبعها بقرارات رفع الدعم عنها نهائيا، ما ساعد الحوثيين الذين كانوا يحاصرون صنعاء على عقد تحالفات قبلية لإسقاط الدولة، وهي تحالفات شبيهة لتلك التي أدت إلى إسقاط محافظة عمران ومعسكراتها في أغسطس”.
وأضاف” فيما كان الرئيس يعلن عن حشد القوات لحماية صنعاء، لم يصدر أي قرار بإنشاء غرفة عمليات عسكرية، ولكنه كان يصدر قرارات عسكرية ومدنية تمكن قادة متحالفين او قريبين من الجماعات المسلحة في أجهزة الدولة”.
وجاء في التقرير ” انشغل الرئيس قليلا بترتيب أوراقه في الجنوب ونجح على الأقل في تخدير جماعات الحراك الانفصالي، وسحب البساط من تحت قادته التي انحسرت شعبيتها، لكن على العكس في الشمال، فقد ساهمت رؤيته التهميشية للقبيلة في تسليم البلد لتحالف قبلي مع الحوثيين في شمال الشمال الذي كبر ككرة الثلج المتدحرجة حتى أسقط العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر، وأسقط معها مدن ومعسكرات ودولة”.
وأضاف” لم ينظر الرئيس على ما يبدو لعواقب تمدد الحوثيين منذ بدء هجومهم على دماج مطلع العام، وهو يمتلك أوراقا متعددة محلية وإقليمية ودولية لمنعهم من الوصول إلى صنعاء، أهمها ثلاثة قرارات لمجلس الأمن، ولكنه لم يطلب من المجتمع الدولي حتى تفعيلها”.
وقال التقرير ” إذا كان ما حصل متعمدا من قبل الرئيس وليس فشلا فيعني أنه محليا كان يرى ضرورة تقديم خدمات للحوثيين كمقدمة للتحالف معهم حتى يتسنى له تفكيك تحالفهم مع خصمه صالح، وإقليميا أراد أن يستغل توجهات الجوار الخليجي في إضعاف تيار الثورة والإسلام السياسي للحصول على الدعم السياسي والمالي، أومام المجتمع الدولي كان الرئيس بهذه الطريقة يلعب على ورقة خطيرة وهي ضرورة تصفية الفاسدين للتمهيد لدولة مدنية، وأيضا قصقصة أذرع النافذين القريبين من المملكة العربية السعودية بحجة أنها لا تقبل بمشاركة الحوثيين في الدولة ، ولا ترغب في استقرار سياسي في اليمن، وعلى رأسهم قيادات عسكرية مثل اللواء علي محسن الذي وضعه كمستشار عسكري وأمني ورفض إقالته، لضمان استمرار كل تلك المبررات”.
وأضاف” كان يمكن للرئيس بين 2012 و2014 أن يركز على استراتيجية وطنية جامعة لا تترك فراغات سياسية وعسكرية واجتماعية ورائها ولكن سقوط العاصمة على يد الميلشيات أفقده الثقة والدعم، وبدأت الشكوك فيه باتجاهين إما يريد تأسيس حكم عائلي له، أو أنه يدعم مشاريع انفصالية في الشمال والجنوب بشكل متدرج”، مؤكدا ان ” احتمالية توجهه لبناء دولة مدنية وإنهاء الصراعات أصبح من الخيارات التي سقطت بسقوط مخرجات الحوار الوطني تحت سلاح الميلشيات بعد أن كانت آخر أمل لليمنيين المناصرين والمعارضين له”.
تطرق التقرير لخارطة العنف المسلح، وقال تتبلور أحداث العنف في إطار أربع مجموعات مسلحة أهمها حركة انصار الله ( الحوثيون) ، وقد أصبحت تسيطر على مفاصل الدولة وتمتلك اعتى وأقوى أنواع الأسلحة متفوقة على الدولة، وبيدها القدرة على السيطرة أكثر بعد تغلغلها في الدولة ومؤسساتها المخابراتية والأمنية والعسكرية والمدنية وابتلاعها تدريجيا من الداخل”.
وأشار التقرير إلى أن ” الحركة تحصل على دعم لوجستي وعسكري من إيران وحزب الله، وتتحرك بالتناغم مع القرار السياسي الإيراني وأن نفوذها يمتد مع تحركها العسكري ، كلما تعرضت إيران وأذرعها في العراق وسوريا لضغوطات إقليمية أو دولية”.
توقع التقرير ان تدخل الحركة في دائرة صراع عنيف واستنزاف مفتوح مع المجتمع القبلي الذي بدأ يشعر بخطورة تهديد مصالحه جراء استهداف الحوثيين للقبيلة ومع خلق كيانات وقيادات مجتمعية جديدة”، مضيفا” تكون التطورات الإقليمية لصالح او ضد إيران عاملا مهما لا يمكن إغفاله في بقاء سيطرة الحوثيين خلال العام 2015 أو دعم مواجهتهم وسقوطهم”.
عن الجماعة الثانية وهي نظيم القاعدة ( أنصار الشريعة وقاعدة الجزيرة العربية)، قال التقرير ” يشكل اعتماد القاعدة على أعمال فردية غير منظمة واستراتيجية من خلال تفجيرات واغتيالات وهجمات واستهداف المدنيين والعسكريين، المبرر الرئيسي لتمدد الحوثيين وحصول تحالفات سياسية ومجتمعية معهم، كون مثل هذه العمليات تخلف ضحايا مدنيين وأبرياء”.
وأضاف” وأيضا كلما يزيد تمدد الحوثيين ويشعر المجتمع المحلي بظلمهم، كلما تتوسع حاضنة القاعدة ويتوسع الانتقام الشعبي ضدهم”، معتبرا أن تحركات القاعدة ضد الحوثيين من منطلق طائفي يبرر للحوثيين استخدام التعصب الطائفي لمواجهة المقاومة السياسية والشعبية والعسكرية للمجتمع اليمني، وهو ما يتيح تدخلات إقليمية ودولية في الصراع، قد تؤدي إلى تكرار سيناريوهات سوريا والعراق في اليمن”.
وأكد التقرير أن التنظيمات الجهادية والمسلحة تعاني من الاختراقات ، وقال ” لذا فمن السهل جدا دفعها لفتح جبهات مع مختلف المكونات المجتمعية والكيانات السياسية وربما الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا ما يحقق نفوذا لصالح الحركة الحوثية المسلحة التي ستوسع تحالفاتها حتى إتمام السيطرة على اليمن”.
الجماعة الثالثة وهي الحراك الجنوبي المسلح، قال التقرير ” يعد الحراك المسلح في الجنوب امتدادا لتداخل الصراع الإقليمي بين إيران والسعودية، وقد رعت طهران عبر حزب الله هذا الحراك دون أن تدعم الحراك السلمي ، ودربت قادة فيه داخل معسكرات محلية واقليمية يشرف عليها مقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني، وكان هذا الدعم يأتي عبر نائب الرئيس السابق علي سالم البيض الذي أعلن الانفصال في صيف 1994م وهزم امام قوات الرئيس صالح قبل أن يغادر إلى منفاه “.

وأضاف” يحاول هذا الحراك الحصول على دعم إقليمي من غير إيران ليكمل مسيرة الانفصال، ولكن بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء وتهديدهم باجتياح الجنوب هدأت تحركاتهم بالتوازي مع محاولة سعودية لسحب بساط الحراك الجنوبي من تحت اقدام إيران، كما ساهمت خطة هادي لاحتواء الحراك المسلح في إضعاف فاعليته وتحركاته، ولكن تظل المعسكرات الخاصة به في الضالع ولحج وحضرموت قنبلة موقوتة قد تؤدي إلى حروب وصراعات وعنف يساهم في تشظي الجنوب وليس انفصاله فحسب”.

وجاء في التقرير ” تحاول إيران من خلال مفاوضات مباشرة مع الدولة اليمنية في عمان أن تفرض حكما انتقاليا يكون للرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد دورا فيه، وهو عمليا التمهيد للسيطرة على الجنوب والشمال من خلال قيادات سياسية وقوة عسكرية على الأرض لضمان التحكم الكامل في مضيق باب المندب”.

الجماعة الرابعة وهي القبائل المسلحة، أكد التقرير أنها أصبحت الحلقة الأضعف بين الجماعات المسلحة بعد ان أدى تمزقها وتشرذمها ودعم بعض مكوناتها للحركة الحوثية إلى تراجع تأثيرها وانهيار بنيتها المسلحة لصالح جماعات القاعدة والحوثيين”.

وقال ” تحافظ القبيلة على بعض التوازنات داخل البلاد ولكنها تأثرت بالصراعات السياسية سابقا حتى أصبحت أقرب للحالة الحزبية من حالة السلاح، ودعمت التغيير السلمي دون الانجرار للحرب إلا في حالات محدودة، ولكن شعورها بالتهميش السياسي نقل المعارك بين هذه التيارات إلى داخلها، فتركت فراغا كبيرا في بنية المجتمع ملأته جماعات السلاح”.

واكد أن القبيلة ” تحتاج لإعادة ترتيب أوراقها كونها هي والمؤسسة العسكرية تعدان مكامن القوة للدولة والمجتمع التي من خلالها يمكن استعادة الدولة وبناء نظام سياسي جديد”.

المتاح السياسي:
قال التقرير ” عاشت الأحزاب السياسية اليمنية العام الفائت حالة من انعدام الثقة بما فيها تلك المنضوية تحت تكتل اللقاء المشترك “، مضيفا” رغم انها توافقت في إطار مؤتمر الحوار الوطني على مخرجات تعزز الانتقال السياسي للبلد، إلا أنها ظلت تنسج تحالفات من تحت الطاولة ضد بعضها البعض في محاولة لإضعاف القوية منها”.
حول حزب المؤتمر قال التقرير ” لم يتمكن المؤتمر الشعبي العام من تجاوز حالة الصدمة التي تعرض لها في 2011م بعد أكثر من ثلاثة عقود منفردا بالدولة وأدواتها، وإن المبادرة الخليجية التي وضعت خارطة الانتقال السياسي لها الأثر الأكبر في عدم توجه الخصوم لاجتثاث هذا الحزب الذي استطاع من خلال تحالفات نسجها بين منافذ القوة في الدولة ومنافذ القوة في المجتمع من خلال القبيلة أن يكون موجودا في عموم الجمهورية اليمنية”.
أضاف” منذ 2011م أصبح المؤتمر في دائرة الاستقطابات بين الرئيس السابق والحالي كما هو حال المؤسسة العسكرية، وهذا ما جعل المشائخ الذين يمثلونه يقودون تحالفات مع الحوثيين للانتقام من ثورة 2011م التي اسقطت رئيس الحزب ومؤسسه من السلطة”.
وجاء في التقرير ” ترك صالح للانتقام الذي أدى للفوضى والعنف أن يقوم بمهمة استعادة الثقة فيه كرجل الدولة المهم الذي لا يمكن إزاحته، ولكن ذلك اعتبر على انه دعم مباشر وغير مباشر للجماعات المسلحة، وهو ما استدعى مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي إلى وضعه على قائمة المعرقلين للانتقال واستصدار عقوبات تقضي بتجميد الأموال والمنع من السفر برفقة القياديين في الحركة الحوثية أبو علي الحاكم وشقيق زعيم الحوثيين عبد الخالق الحوثي، وهما قياديان ميدانيان في جماعة ( أنصار الله) الحوثية وقد ساهم الأول في إسقاط عمران ومعسكراتها، وساهم الثاني في إسقاط العاصمة”.
وأشار إلى أنه ” كان يمكن ان تساهم حالة الانتقال في إعادة هيكلة المؤتمر من خلال الدعوة لمؤتمر عام للحزب وإيجاد قيادة جديدة ذات علاقة جيدة مع كل الأطراف والشركاء السياسيين داخل وخارج الحزب وعلى المستوى المحلي والإقليمي والدولي، ولكن العكس الذي حصل حيث تم إقصاء الأمين العام الدكتور عبد الكريم الإرياني من الحزب وهو من أهم القادرين على إدارته انتقاليا ويكسب ثقة ودعم الداخل والخارج بعد قرار فصله إلى جانب فصل نائب رئيس الحزب الرئيس الحالي للدولة، ما أدى إلى تراجع تأثير الحزب محليا وإقليميا ودوليا، وهو ما يؤدي بالجماعات المسلحة ملء الفراغات التي تركها في بنية المجتمع القبلي”.
عن الإصلاح وسياسته التي وصفها بالأبوية اتجاه الدولة ، قال التقرير ” تلك السياسة أثناء وبعد الحالة الثورية في 2011م، أدت إلى حالة من الشكوك ضده وأصبح مثار جدل داخليا وخارجيا، وتم اعتباره أنه الكيان الأقوى الذي يمتلك قاعدة نفوذ سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية، ما أدى لتواطؤ الجميع محليا وإقليميا مع توجه الحوثيين لاستهداف الحزب وقياداته وأعضائه لضمان حالة استقرار سياسي للحزب ولليمن بعد قصقصة أذرعه النافذة ، كما تبرر بعض التحليلات، فيما تنفي الأمم المتحدة ومندوبها جمال بن عمر والدول العشر الراعية للانتقال علمها بخطة الحوثيين لإسقاط الدولة”.
وأضاف” ترك الإصلاح على ما يبدو قرار مواجهة الحوثيين لأفراده ضمن مكوناتهم المجتمعية وليست الحزبية، ولكن بعد سقوط محافظة عمران وسقوط معسكرات الدولة هناك في أغسطس الفائت، تحرك بشكل تنظيمي باتجاه دعم الرئيس هادي والدولة، وبدا يفكر جديا بتسليح عدد من أعضائه القادرين على القتال لدعم خيارات الدولة إذا ما قررت المواجهة، لكن سرعان ما سحب المسلحين من أعضائه في العاصمة بعد تقدم الحوثيين تجاه معسكراتها دون أي تحرك جدي للجيش في منع الميلشيات من إسقاط الدولة”.
قال التقرير ” يحتاج الإصلاح لسرعة تغيير تكتيكاته واستراتيجيته بعد ان حافظ على أداء الحزب السياسي وأهم من ذلك فهو يحتاج لعقد مؤتمر عام لتغيير قياداته التي نجحت في إدارة الأزمة، وفشلت في استغلال متاحات الثورة والسياسة”.
أما حول الحزبين الناصري والاشتراكي ، فقال التقرير ” بعد عقد مؤتمراتهما المركزية الأخيرة هذا العام حصلت تغييرات ملموسة لصالح الشباب، لكن يظل الاشتراكي يعيش حالة المناطقية أكثر من كونه حالة وطنية، بعد أن وضع قيادات الحزب التنظيم في خانة الممثل الوحيد للقضية الجنوبية رغم تراجع شعبيته هناك لصالح جماعات الحراك المؤيد للانفصال”.
وأضاف” إلى جانب ذلك شكل تقارب بعض قادة الحزب الاشتراكي مع قادة الحركة الحوثية قبيل سقوط صنعاء حالة من التشكيك في توجهاته الاستراتيجية سابقا، وأصبح ينظر له من منظورين، إما ان يكون هناك سوء تقدير للموقف من قبل قادة الحزب قبل التغيير الأخير، أو أنه يدعم خيارات انفصال الجنوب بهدوء”.
عن مستقبل السياسة قال التقرير ” تظل خيارات السياسة مرهونة باستكمال الانتقال السياسي، وتطبيق مخرجات الحوار الوطني، ووثيقة السلم والشراكة التي وقعتها قادة الأحزاب في نفس يوم سقوط العاصمة، وتظل مرهونة بمدى قبول الحوثيين الذين يسيطرون على الأرض ويفرضون واقعا جديدا تحت قوة السلاح للاندماج في العمل السياسي والتخلي عن العنف، ومالم يحصل ذلك تبقى هذه الأحزاب الكبيرة غير قادرة حتى على منافسة أحزاب نشأت حديثا ويتبناها الحوثيون لتشكيل تحالف حاكم وآخر معارض، بدون الاحتياج لشراكة القوى السياسية ذات التأثير الفعلي”.
مشيرا إلى أن المناخ السياسي يظل مرتبطا بعوامل متعددة، أهمها ” تأثير الصراعات الإقليمية والدولية على البنى الوطنية، ومدى قدرة الدول العشر الداعمة للانتقال والأمم المتحدة، في إرغام المسلحين الحوثيين للقبول بخيارات الديمقراطية بعيدا عن تحقيق أهداف سياسية من خلال العنف والسلاح”.

التداخل الإقليمي والدولي:
قال تقرير ابعاد ” تشهد اليمن تدخلا سافرا وغير إيجابي من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعتبر وبشكل علني سيطرة الحوثيين على الدولة اليمنية امتدادا لانتصارات الثورة الإسلامية”.
وأضاف” ساهم دعم بعض دول الخليج للثورات المضادة كحالة خوف من الإسلاميين الذي يعتقد انهم المحرك الرئيسي لها، على إضعاف المقاومة السياسية والشعبية ضد الحركة الحوثية في اليمن”.
وقال ” قد يؤدي توسع الحوثيين في اليمن إلى اعتباره نفوذا إيرانيا مهددا للأمن القومي الخليجي، فيكون هناك تدخل مضاد بشكل سلبي يؤدي إلى دعم جماعات مسلحة جديدة، مع استمرار حالة انهيار الدولة وهو ما قد يجر اليمن لحرب مناطقية ومذهبية، قد تكون مقدمات لاشتعال المنطقة كلها”.
وجاء في التقرير ” تراقب الدول الكبرى المشاركة في الإشراف على عملية الانتقال السياسي وعلى رأسهم واشنطن الوضع في اليمن بشكل مقلق، خاصة بعد شكوى جماعية لحوالي 16 دبلوماسية تؤكد تعرضها لمضايقات من قبل الحوثيين، لكن رغم ذلك إلا أن هناك تتداخل لديهم بين الصراعات السياسية والطائفية، ما يجعلهم ينظرون للحوثيين على أنها حركة مجتمعية صاعدة وإن كانت مسلحة ولكنها قد تعيد التوازن المفقود بفعل سيطرة العسكر والقبيلة”.
وقال ” قد ينظر للحوثيين من المجتمع الدولي أيضا على انهم ضرورة لإحداث توازن سياسي مع حزب الإصلاح، وأداة مناسبة لتنظيف الدولة من الفساد والنفوذ الطاغي، لكن الخطورة في مدى نظرة المجتمع الدولي على أن الحركة الحوثية مناسبة أن تكون أداة لتهديد الخليج النفطي من الجنوب في حال تراجعت أدوات التوازن مع المملكة العربية السعودية والذي يمثله النفوذ الإيراني في مناطق الشمال في العراق وسوريا ولبنان”.
وأكد أنه يمكن استخدام الحوثيين من خلال اعتبار سيطرتهم ” قد تكون وسيلة مناسبة للضغط على إيران في تحقيق اتفاقية البرنامج النووي وإنجاح التفاوض، فهذا البلد المسلح شعبه والمعقد تركيبته المجتمعية بالإمكان ان يكون الطعم الذي يشجع إيران على المضي قدما في التصالح مع المجتمع الدولي وإنهاء فوضاها في المنطقة، وبالإمكان أن يتم تحويله إلى مستنقع جديد لإرهاق إيران في حال رفضها واستمرار تعنتها إلى جانب مستنقعات الاستنزاف في سوريا والعراق” .
ويلخص التقرير توقعاته لأداء المجتمع الدولي في اليمن خلال العام القادم بالقول ” هل سيتعاملون مع الحركة الحوثية كأداة أم استراتيجيا، فإن كانت أداة فقد نشهد مزيدا من عنف وتمدد وتسلط الحركة لاحتياج استخدامها في أي سيناريو، وإن كانت نظرته استراتيجية للحركة فهي لن تنفصل عن استراتيجية اليمن وضرورة استقراره ومنع انهياره، وبالتالي الضغط على الحركة للتمدن”.
وتوقع ان يكون عام 2015م عام دفع ثمن تغييب وإسقاط الدولة في 2014م، ، وقال ” كشفت عشرات الوثائق عن تقويض واضح للدولة اليمنية، وانحناء غير مسبوق لصانعي القرار السياسي للميلشيات المسلحة، ففي توقيت سيء يعيشه الاقتصاد اليمني يقدم الرئيس ما يقارب من نصف مليون دولار للحوثيين لرعاية احتفال ديني، فيما تتكفل أمانة العاصمة بتقديم دعم مالي كبير لإنجاح الحملة الدعائية للمناسبة ذاتها، إلى جانب فرض الحوثيين جبايات وإتاوات على المواطنين والمزارعين والتجار، في وقت تتوقف كل مشاريع التنمية الخدمية في البلد حتى تلك المدعومة خارجيا”.
وأضاف” مثل ما يريد الحوثيون أن تحقق هذه المناسبة حضورا شعبيا محليا، يراد منها تقديم دليل جديد للخارج على قوتهم وتواجده الشعبي، إلا أن الأهم هي كونها فرصة مواتية لتعزيز القدرات المالية للحركة الحوثية، خاصة في ظل توقف الدعم الإيراني لحزب الله ، وتراجع كبير في تمويل الحوثيين بعد تراجع أسعار النفط لأدنى مستوياتها”.
واعتبر أن اختتام العام السابق بيوم دامي قتل وجرح فيه العشرات، هو مؤشر على العام الجديد، قائلا” العملية الإرهابية ضد تجمع مدني في احتفالية دينية دعا إليها الحوثيون في محافظة إب تدق ناقوس الخطر من أن البلد بدأ في الدخول لمرحلة مختلفة من مراحل الصراع ، قد ينزلق معها اليمن إلى مستنقع الحرب المناطقية والمذهبية والطائفية، وهي الحروب التي تعطي مبررات للجماعات المسلحة العنيفة التي تفشل في الحصول على نفوذ من خلال أدوات السياسة، للقيام بتغيير خارطة الديموغرافيا من خلال السلاح والعنف للحصول على نفوذ أطول”.
وعن السيناريوهات قال ” إن عدم انزلاق اليمن في حرب أهلية شبيهة بما يحصل في سوريا والعراق، يحكمها سيناريوهات متعددة أولها سيناريو الحل الوطني من الداخل، فقد يكون هناك حلا سياسيا من خلال انتخابات رئاسية لترشيح رئيس مقبول من كل الأطراف بما فيهم الحوثيين، مع ضرورة قبول هذه الحركة التي أصبحت مسيطرة على الوضع بالاندماج في الحالة السياسية وتشكيل تيار حزبي مدني”.
وأضاف” السيناريو الثاني يفترض حصول مقاومة شعبية وطنية تعيد للدولة والمؤسسة العسكرية هيبتها، وهذا السيناريو يرى ضرورة تغيير قناعات الجوار الخليجي والمجتمع الدولي تجاه بعض التيارات الشعبية والإسلامية والليبرالية والقومية واليسارية المشاركة في ثورة 11 فبراير السلمية 2011م ، لأن ذلك التكتل وحده الذي كسب ثقة المجتمع المحلي قبل أن تزعزعه سلطة الانتقال التي فشلت في تحقيق أهداف ومطالب الشباب”.
اما السيناريو الثالث فقال أنه الأخطر في حال لم يحصل أيا من السيناريوهين لانه مرتبط بالفشل، مضيفا” ترك أدوات الصراع تواصل إضعاف الدولة والمجتمع، قد يؤدي إلى فراغات تملأها الجماعات الجهادية في مقاومة الحوثيين من خلال حروب دينية ومذهبية وطائفية، قد يدفع البلاد لمزيد من الانهيار وربما السقوط في مهاوي الحروب الأهلية ومستنقع الفوضى المسلحة”.